و قد ذكر الفقهاء أمورا يجب فيها الكذب، منها إذا طالبه ظالم بوديعة، أو بمظلوم خبأه، وجب عليه إنكاره، وجاز له الحلف عليه، وإذا أكره على الكذب وجب [1] .
أ لا ترى أن الله أباح بنص القرآن لمن أكره على الكفر أن يتلفظ بكلمة الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، وهو متضمن الكذب، قال تعالى: إِلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [2] .
ذلك المدلول إما أن يكون مما لا يمكن تغييره، بألا يقع إلا على وجه واحد كصفات الله، وخبر ما كان من الأنبياء والأمم، وما يكون من الساعة وآياتها كخروج الدجال، فلا يجوز نسخه بالاتفاق؛ لأنه يفضي إلى الكذب.
وإن كان مدلول الخبر مما يصح تغييره، بأن يقع على غير الوجه المخبر عنه، ماضيا كان أو مستقبلا، أو وعدا أو وعيدا، أو خبرا عن حكم شرعي، فهو موضوع الخلاف [3] ، وفيه أقوال ثلاثة:
القول الأول: يجوز نسخه مطلقا، وإلى هذا ذهب أبو عبد الله، وأبو الحسين البصريان، وعبد الجبار، والإمام الرازي، والآمدي وغيرهم [4] .
القول الثاني: لا يجوز نسخه مطلقا، وإلى هذا ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني، والجبائي، وأبو هاشم، وابن الحاجب، وجماعة من المتكلمين [5] .
القول الثالث: التفصيل، فإن كان ماضيا لم يجز نسخه، وإن كان مستقبلا جاز نسخه، وهو المختار للقاضى البيضاوي [6]
(1) انظر الإحكام للآمدي (205) / (3) ، (206) ، شرح مختصر ابن الحاجب وحواشيه (195) / (2) ، البحر المحيط (98) / (4) ، حاشية العطار على شرح جمع الجوامع (119) / (2) ، شرح تنقيح الفصول ص (309) ، تيسير التحرير (193) / (3) ، (195) ، إرشاد الفحول ص (188) ، أحكام النسخ في الشريعة الإسلامية ص (96) ، (97) .
(2) سورة النحل من الآية (106) .
(3) قال الزركشي رحمه الله في البحر المحيط (100) / (4) : إن الخلاف مبني على تفسير النسخ، وهل هو رفع أو بيان كما صرح به القاضي، فقال: ذهب كل من قال بأن النسخ بيان وليس برفع حقيقي إلى جواز النسخ في الأخبار على هذا التأويل، قال: أما نحن إذا صرنا إلى أن رفع الثابت حقيقي، وأن المبين ليس بنسخ أصلا، فلا نقول على هذا بنسخ الأخبار؛ لأن في تجويزه حينئذ تجويز الخلف في خبر الله وهو باطل، وهذا بخلاف تجويز النسخ في الأوامر والنواهى، لأنه لا يدخلها صدق ولا كذب.
(4) انظر المعتمد لأبي الحسين (387) / (1) ، وما بعدها المحصول للإمام الرازي (487) / (3) / (1) ، الإحكام للآمدي (206) / (3) ، شرح تنقيح الفصول ص (310) ، البحر المحيط (99) / (4) .
(5) انظر شرح مختصر ابن الحاجب مع حواشيه (195) / (2) ، وانظر المحصول (784) / (3) / (1) ، الإحكام للآمدي (206) / (3) ، البحر المحيط (99) / (4) .
(6) انظر نهاية السول (179) / (2) ، البحر المحيط (99) / (4) .
(7) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.