الأدلة: دليل القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول على الجواز بالآتي:
أن الخبر إذا كان عن أمر ماض كقوله: «عمّرت نوحا ألف سنة» ، جاز أن يبين من بعده أنه أراد ألف سنة إلا خمسين عاما.
وإن كان خبرا مستقبلا، وكان وعدا أو وعيدا كقوله: «لأعذبن الزاني أبدا» ، فيجوز أن يبين من بعده أنه أراد ألف سنة.
وإن كان خبرا عن حكم الفعل في المستقبل، كان الخبر كالأمر في تناوله للأوقات المستقبلية، فيصح إطلاق الكل مع أن المراد بعض ما تناوله بموضوعه، فثبت أن حكم النسخ في الخبر كهو في الأمر [1] .
دليل القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني على المنع بدليلين:
الأول: أن دخول النسخ في الخبر يوهم البداء.
الثاني: أنه لو جاز نسخ الخبر، لجاز أن يقول: «أهلك الله عادا» ، ثم يقول:
«ما أهلكهم» ، ومعلوم أنه لو قال ذلك: كان كذبا.
وأجيب عن الأول: بأن دخول النسخ على الأمر يوهم البداء أيضا، فإن قالوا:
لا يوهم لأن النهى إنما دل على أن الأمر لم يتناول ذلك الوقت، قلنا: وهاهنا أيضا، لا يوهم الكذب، لأن الناسخ يدل على أن الخبر ما تناول تلك الصورة.
وأجيب عن الثاني: أن إهلاكهم غير متكرّر؛ لأنهم لا يهلكون إلا مرة واحدة فقط، فقوله: «ما أهلكهم» ، رفع لتلك المرة فيلزم الكذب، وأما إن أراد بقوله:
«ما أهلكهم» أنه ما أهلك بعضهم، كان ذلك تخصيصا بالأشخاص، لا بالأزمان فلم يكن ذلك نسخا [2] .
دليل القول الثالث:
استدل البيضاوي على تفصيله:
بأن الماضي قد تحقق مضمونه، فرفعه يوجب الكذب وهو باطل، أما المستقبل، فلا مانع أن يقول الشارع: «لأعاقبن الزاني أبدا» ، ثم يقول بعد ذلك: «أردت سنة» ، ويكون القول الثاني مخصّصا للأول ببعض الأزمنة، ولا محال في ذلك فيكون جائزا [3] .
(1) انظر المحصول للإمام الرازي (487) / (3) / (1) ، (488) .
(2) انظر المحصول للإمام الرازي (488) / (3) / (1) ، (489) .
(3) انظر نهاية السول للإسنوي (179) / (2) .
(4) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.