و وصف المبيّن بكونه «متراخيا» لبيان الواقع؛ لأن ذلك حقيقة النسخ؛ إذ لو اتصل البيان بالمبيّن نحو: «اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة» ، أو «لا تقتلوا أهل الذمة» عقب اقتلوا المشركين لم يكن هناك حكم ثابت ينتهي؛ لأن الحكم إنما ثبت ويتقرر بعد تمام الكلام، ومثل ذلك تخصيص للعام لا نسخا [1] ، وعلى ذلك فيتوقف حكم أول الكلام على آخره باعتبار أنه كلام واحد متصل.
وخلاصة المعنى: أن الخطاب الأول له غاية في علم الله تعالى، ينتهي الحكم عندها لذاته، ثم يحصل بعده حكم آخر، لكن الحصول والانتهاء في الحقيقة راجعان إلى التعلق بأفعال المكلفين [2] .
مناقشة هذا التعريف:
ويمكن أن يتوجه على هذا التعريف ما يخل بكونه جامعا مانعا، نوضحه فيما يلي:
أولا: إن هذا التعريف لا يشمل النسخ قبل التمكن من الفعل، لعدم دخول وقت الفعل؛ وذلك لأن قوله: «بيان انتهاء حكم شرعي» مشعر بأن الحكم الذي بيّن انتهاء أمده قد دخل وقت العمل به، فالفعل الذي لم يدخل وقت العمل به غير داخل في التعريف فيكون غير جامع.
ومقتضى هذا أن النسخ لا يرد على الحكم الذي لم يتمكن المكلف من فعله، مع أن جمهور العلماء يقولون بأن النسخ قبل التمكن من الفعل جائز [3] .
الجواب: يجاب عن هذا بأن المقصود من قول البيضاوى: «بيان انتهاء حكم شرعي» بيان انتهاء تعلق الحكم، وانتهاء التعلق يصدق بدخول وقت العمل بالحكم، وبعدم دخول وقت العمل بالحكم؛ فيكون التعريف شاملا لنسخ الحكم قبل التمكن من فعله.
ثانيا: إن هذا التعريف لا يشمل نسخ الخبر الذي لا يشتمل على حكم شرعي، فإن قوله: «انتهاء حكم شرعي» مشعر بأن المنسوخ لا بد أن يكون حكما شرعيّا، فيكون هذا الخبر خارجا عن التعريف، مع أن النسخ يرد عليه، فيكون التعريف غير جامع.
(1) انظر كتاب النسخ في دراسات الأصوليين ص (39) .
(2) انظر نهاية السول (164) / (2) .
(3) نهاية السول للإسنوي (165) / (2) .