فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 146

الثقات: أن العمل بالدليلين أولى من العمل بأحدهما؛ لأن ترك الدليل لا يكون إلا في حالة الضرورة عند النسخ [1] .

الحالة الثالثة: أن يتحد الحكم والسبب، ويدخل الإطلاق والتقييد على السبب، وقد جرى فيه الخلاف بين الحنفية والشافعية، فالحنفية لا يحملون المطلق على المقيّد لعدم التنافي بين الأسباب، والشافعية يحملون المطلق على المقيّد؛ لاتحاد الحكم والسبب، محتجين بأنه ما دام الحكم واحدا والسبب واحدا، وقد أطلق اللفظ مرة، وقيّد أخرى فلا بد من حمل المطلق على المقيّد.

مثال ذلك: ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى اللّه عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» [2] .

فقد ورد السبب هنا مقيّدا بكونه من المسلمين، مع وروده مطلقا في قوله صلى اللّه عليه وسلم فيما يرويه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «فرض رسول الله صلى اللّه عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر على الصغير والكبير، والحر والمملوك» [3] ، من غير تقييد بكونه من المسلمين.

من أجل هذا وقع الخلاف بين العلماء، فالحنفية قالوا: تجب زكاة الفطر على المسلم بسبب عبده الكافر، ولم يحملوا المطلق على المقيد؛ لعدم تنافي الأسباب.

أما الجمهور فقد خالفوا في ذلك، وحملوا المطلق على المقيّد، وقالوا: لا بدّ من أن يكون من تخرج عنه الزكاة مسلما [4] .

الحالة الرابعة: أن يتحد الحكم ويختلف السبب، ومثال ذلك قوله تعالى في شأن كفارة الظهار وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا [5] فقد وردت الرقبة في الآية هنا مطلقة، ووردت الرقبة مقيدة بقيد الإيمان في كفارة القتل، حيث قال سبحانه وتعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [6] .

(1) انظر النسخ بين النفي والإثبات (144) / (1) .

(2) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري (237) / (3) ، سبل السلام شرح بلوغ المرام (618) / (2) ، (619) .

(3) انظر فتح الباري (241) / (3) .

(4) انظر فتح الباري (242) / (3) ، سبل السلام (620) / (2) ، فواتح الرحموت (366) / (1) ، النسخ بين النفي والإثبات (145) / (1) .

(5) سورة المجادلة، الآية (3) .

(6) سورة النساء، الآية (92) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت