فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 146

يمكن أن يوصف به الله عز وجل؛ لأن المخلوقين علمهم محدود، قال تعالى:

وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا [1] .

ثانيا: أن النسخ يعلم الآمر فيه أزلا ما يكون عليه هذا الأمر عند صدوره للمكلفين، بخلاف البداء، فلا يعلم الآمر فيه من أمره شيئا إلا عند صدوره، وقد يأمر بالشيء ثم يتبيّن له الخطأ فيه، فيعدل عنه لظهور عدم المصلحة في الأمر الأول.

وعليه فالبداء مسبوق بالجهل، دائما؛ لعدم إحاطة المخلوقين بالعلم أزلا.

فإذا نظرنا مثلا إلى مشرّع قد أصدر تشريعا، فسرعان ما تأتي اللوائح المعدلة تترى، لما ظهر في التشريع من خلل، وهذا دأب البشر؛ لأن عقولهم قاصرة فيعملون على قدر وسعهم؛ إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [2] .

ثالثا: أن في النسخ يعلم الآمر أنه سيرفع المنسوخ عن العباد في وقت كذا إلى بدل آخر هو كذا، أو إلى غير ما بدل عند القائلين به حسب علمه تعالى ورحمته بعباده.

ففي النسخ معلومية الابتداء والانتهاء للناسخ وهو الله سبحانه وتعالى، بخلاف البداء فإن صاحبه لا يعلم متى ينتهي العمل به؟ وهل فيه مصلحة؟ وهل يلغيه إلى غيره؟ كل هذا غيب بالنسبة لصاحب البداء.

ومن هنا نعلم أن الناسخ يعلم الحكم المنسوخ وأمده، ويعلم أيضا الحكم الذي سيحل محله، بخلاف صاحب البداء فلا يعلم شيئا من ذلك.

بهذه الفروق يتضح لنا الأمر، ونعلم البداء على حقيقته، والنسخ كذلك [3] ، وعلى هذا فإن أريد بالبداء: تبيّن شيء بعد استبهام شيء، على معنى أن الأمور لم تكن ظاهرة للمولى سبحانه وتعالى، فيحكم بخلاف الأمر الذي فيه المصلحة، ثم تظهر له المصلحة، فيعدل عن حكمه السابق فهذا محض افتراء - تنزه الله جلّ جلاله عن ذلك -.

أما إذا كان معنى البداء: تغير الأحوال مع سابق علم الله بكل حالة، فلا مانع، من هذا الإطلاق، ولا شيء فيه، ولكن نرى أن البعد عن مواطن الريب أسلم، خصوصا أن القائل بالبداء الروافض؛ لاعتقادهم جواز النسخ على الله تعالى مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء [4] .

(1) سورة الإسراء، الآية (85) .

(2) انظر النسخ بين النفي والإثبات (140) / (1) .

(3) انظر النسخ بين النفي والإثبات (140) / (1) .

(4) انظر الإحكام للآمدي (157) / (3) ، النسخ بين النفي والإثبات (139) / (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت