الوجه الثاني: سلمنا لكم أن مبنى الأحكام التحسين والتقبيح العقليين، ولكن نقول لكم: لا يلزم من نسخ الحكم دون التلاوة وقوع المكلف في الجهل؛ لأنه إنما يكون ذلك إذا لم ينصب الشارع دليلا على أن الحكم منسوخ، أما وقد نصب الشارع دليلا على النسخ الحكم دون التلاوة، وهو الناسخ، وهذا الدليل الناسخ يعرفه المجتهد بنظره في نصوص الشريعة، ويعرفه المقلد بالرجوع إلى المجتهد [1] .
الدليل النقلى:
وقد استدل الجمهور بأدلة نقلية، تثبت وقوع النسخ للحكم دون التلاوة:
(1) - نسخ حكم آية الاعتداد بالحول الثابت في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْاجًا وَصِيَّةً لِأَزْاجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [2] بأنه مثبت في المصحف، متلو في الصلاة، وقد نسخ حكمه بأربعة أشهر وعشرا في قوله تعالى في آية أخرى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [3] .
(2) - وكذلك نسخ حكم الوصية للوالدين الثابت في قوله تعالى:
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [4] ، ثم نسخ هذا الحكم، فقيل ناسخه: آية المواريث، والحديث القائل: «إن الله قد أعطى كل ذى حق حقه، فلا وصية لوارث» [5] ، وبقيت التلاوة للآية.
(3) - وكذلك نسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي صلى اللّه عليه وسلم، الثابت في
(1) انظر مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد (194) / (2) ، والإحكام للآمدي (203) / (3) ، (204) .
(2) سورة البقرة، من الآية (240) .
(3) سورة البقرة، من الآية (234) .
(4) سورة البقرة، من الآية (180) .
(5) هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي والدارقطني وابن عدي عن أبي أمامة وعمرو بن خارجة وأنس وابن عباس وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وجابر وزيد بن أرقم والبراء وعلي بن أبي طالب ومعقل بن يسار رضي الله عنهم مرفوعا.
انظر سنن أبي داود (103) / (2) ، سنن النسائي (207) / (6) ، تحفة الأحوذي (309) / (6) ، سنن ابن ماجة (906) / (2) ، نصب الراية (403) / (4) ، سنن البيهقي (463) / (6) ، سنن الدارقطني (98) / (4) ، كشف الخفا (514) / (2) ، مسند أحمد (186) / (4) .