أكل كتف شاة ولم يتوضأ» [1] . وهذا أخف من المنسوخ، فالنسخ إلى بدل أضعف أو مساو لا خلاف فيه بين من يقول بالنسخ [2] .
الوجه الثالث: نسخ الحكم إلى حكم أثقل، ففيه خلاف العلماء:
المذهب الأول: للجمهور وهم أكثر أصحاب الشافعي، وجمهور المتكلمين، والفقهاء، ومنهم أبو الحسين البصري، وابن حزم الظاهري، والشوكاني [3] :
وهؤلاء يرون أن نسخ الحكم إلى بدل أثقل من المنسوخ جائز عقلا، وواقع سمعا.
المذهب الثاني: وهو لبعض أصحاب الشافعي وبعض أهل الظاهر، وهؤلاء يرون أنه لا يجوز عقلا، ولم يقع شرعا [4] . وقد نسبه البزدوي إلى محمد بن داود، والظاهر أنها نسبة غير صحيحة، إذ إن ابن حزم لم يذكره مع المخالفين [5] .
المذهب الثالث: ويروى عن بعض المعتزلة: أن النسخ إلى أثقل جائز عقلا، ولكنه غير واقع سمعا.
وقد عقب صاحب التقرير والتحبير على المذهب الثاني والثالث بقوله: نفاه - أي جوازه بأثقل - شذوذ: بعضهم عقلا، وبعضهم سمعا، وبه قال أبو بكر بن داود [6] .
(1) حديث ابن عباس: أخرجه البخاري (ح(204 ) ) ، ومسلم (ح(354 ) ) ، وأبو داود (ح(187 ) ) ، وفي كثير من الروايات تصريح بأن ابن عباس رآه بنفسه، وفي بعضها: «قلنا: أنت رأيته، فأشار إلى عينه، فقال: بصر عينى» ، انظر: مسند أحمد (( 258) / (1) ، (272) ، (366 ) )، والطبراني في الكبير (( 298) / (10) ، (324 ) ).
وهذا ينفي احتمال أن يكون مما رواه ابن عباس عن غيره من الصحابة.
ووجه دلالته على النسخ أشار إليه الحازمي في الاعتبار (ص(81) - (82 ) ) ، قال: وإنما قلنا لا يتوضأ منه؛ لأنه عندنا منسوخ، ألا ترى أن عبد الله بن عباس إنما صحبه بعد الفتح، يروي عنه أنه رآه يأكل من كتف شاة، ثم صلى، ولم يتوضأ، وهذا عندنا من أثبت الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ، أو أن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف، والثابت عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه لم يتوضأ منه .. وذكر الشافعي أيضا في رواية حرملة فقال: حديث ابن عباس أدل الأحاديث على أن الوضوء مما مست النار منسوخ، وذلك أن صحبة ابن عباس لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم متأخرة، إنما مات رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، وهو ابن أربع عشرة سنة وقد قيل: ست عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة» انتهى المراد من كلام الحازمي.
وإنما نبهنا على ذلك لأن مجرد لفظه لا يدل على النسخ، وغاية ما يفيده اللفظ أن النبى صلى اللّه عليه وسلم لم يتوضأ من لحم الغنم، وهو أحد وجهي التخيير في قوله: «إن شئت توضأ، وإن شئت فلا تتوضأ» ، وإنما النسخ فيه راجع لتأخر صحبة راويه.
(2) انظر الإحكام للآمدي (196) / (3) ، فصول البدائع للفناري (140) / (2) ، روضة الناظر ص (43) ، التمهيد لأبي الخطاب (260) / (2) ، التبصرة للشيرازي ص (258) ، إرشاد الفحول ص (188) ، التلويح على التوضيح (36) / (2) ، ميزان الأصول ص (715) ، (716) .
(3) انظر الإحكام لابن حزم (93) / (4) ، (94) ، الإحكام للآمدى (197) / (3) ، المعتمد (385) / (1) ، المحصول (480) / (3) / (1) ، التقرير والتحبير (59) / (3) ، إرشاد الفحول ص (188) .
(4) انظر كشف الأسرار على أصول البزدوي (907) / (3) ، الإحكام للآمدي (197) / (3) ، التقرير والتحبير (59) / (3) .
(5) انظر الإحكام لابن حزم (93) / (4) ، (94) .
(6) انظر التقرير والتحبير (59) / (3) ، النسخ بين النفي والإثبات (24) / (2) .
(7) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.