فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 714

والأصلُ في ذلك: أنه إذا ثبتَ النَّصُّ، طاحَ ما دونَه، فلا يُحكمُ باللغةِ على اصطلاحِ الشَّريعةِ.

قال أبو الهيثم [1] : «اعترضَ قومٌ فأنكروا أنْ يكونَ الصُّورُ قَرْنًا، كما أنكروا العَرْشَ والميزانَ والصِّراط [2] : وادَّعوا أنَّ الصُّورَ: جمعُ الصُّورَةِ [3] ، كما أن الصُّوفَ جمعُ الصُّوفَةِ، والثُّومَ جمعُ الثُّومَةِ، ورَوَوا ذلكَ عنْ أبي عُبَيدَةَ.

قالَ أبو الهيثمِ: وهذا خَطأٌ وتحريفٌ لكَلِمِ الله عن مواضِعِها؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ قال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64] بفتْح الواوِ، ولا نعلمُ أحدًا من القُرَّاءِ قرأها: فأحسنَ صُورَكم. وكذلك قال الله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} [الكهف: 99، وغيرها] فمنْ قَرَأها: ونُفِخَ فِي الصُّوَرِ، أو قرأ: فأحسن صُوْرَكم، فقدِ افترى الكذبَ وبَدَّلَ كتابَ اللهِ، وكانَ أبو عبيدةَ صاحبَ أخبارٍ وغريبٍ، ولم يكنْ له معرفةٌ بالنَّحْوِ» [4] .

(1) اشتهر أبو الهيثم بكنيته، وكان عالمًا بالعربية، دقيق النظر، وكان ورعًا، صاحب سنة، لازمه المنذري، وقرأ عليه الكتبَ، وله مؤلفات منها: زيادات معاني القرآن للفراء، توفي سنة (226) . ينظر: نزهة الألباء (ص:118) ، وإنباه الرواة (4:188) .

(2) قال الإمام أبو علي الحسن بن أحمد البنَّا الحنبلي: «وأما القدرية والمعتزلة وأنواعهم، فينكرون الصراط والميزان والكرسي ..» . ينظر كتابه: المختار في أصول السنة، تحقيق: عبد الرزاق البدر (ص:87) .

(3) ممن قال بذلك: أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي المعتزلي (319) ، كما ذكر عنه ابن الوزير المغربي في كتابه «المصابيح في تفسير القرآن» عند قوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [الأنعام: 73] ، وقد ردَّ عليه، فقال: «وأخطأ إنما جمع صورة صورة [كذا] والصور: القرن الذي ينفخ فيه المَلَكُ، فيكون فيه الصوت الذي يصعق أهل السموات والأرض» . مخطوط المصابيح في تفسير القرآن (آية: 73 من سورة الأنعام/ورقة 104أ) .

(4) تهذيب اللغة (12/ 228) . وقد عقَّب الأزهري، فقال: «قد احتجَّ أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، وهو قول أهل السنة والجماعة، والدليل على صحة ما قالوا: أنَّ الله ـ جلَّ وعزَّ ـ ذكر تصوير الخلق في الأرحام قبل =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت