فهرس الكتاب
الجزاء إتيانا كما سمى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتيانا فقال: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 26] . وقال في قصة النضير: {أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب} وقال: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء: 47] . وإنما احتمل الإتيان هذه المعاني لأن أصل الإتيان عند أهل اللغة هو القصد إلى الشيء ، فمعنى الآية: هل ينظرون إلا أن يظهر الله تعالى فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض ، وكما أنه سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء كذلك يحدث فعلا يسميه إتيانا ، وأفعاله بلا آلة ولا علة ، سبحانه! وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: هذا من المكتوم الذي لا يفسر. وقد سكت بعضهم عن تأويلها ، وتأولها بعضهم كما ذكرنا. وقيل: الفاء بمعنى الباء ، أي يأتيهم بظلل ، ومنه الحديث:"يأتيهم الله في صورة"أي بصورة امتحانا لهم ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزوال ، لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام ، تعالى الله الكبير المتعال ، ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام علوا كبيرا. والغمام: السحاب الرقيق الأبيض ، سمي بذلك لأنه يغم ، أي يستر ، كما تقدم. وقرأ معاذ بن جبل:"وقضاء الأمر". وقرأ يحيى بن يعمر"وقضي الأمور"بالجمع. والجمهور"وقضي الأمر"فالمعنى وقع الجزاء وعذب أهل العصيان. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي"ترجع الأمور"على بناء الفعل للفاعل ، وهو الأصل ، دليله {لا إلى الله تصير الأمور} [الشورى: 53] ، {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} [المائدة: 48 - 105] . وقرأ الباقون"ترجع"على بنائه للمفعول ، وهي أيضا قراءة حسنة ، دليله {ثم تردون} [التوبة: 94] { ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ} [الأنعام: 62] ، {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} [الكهف: 36] . والقراءتان حسنتان بمعنى ، والأصل الأولى ، وبناؤه للمفعول توسع وفرع ، والأمور كلها راجعة إلى الله قبل وبعد. وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا.