خاصة، وَهُوَ أمرٌ اعتيادي يحصل لبني الإنسان؛ لأن الضبط كَمَا سبق أمرٌ نسبيٌّ. وهذا الباب الَّذِيْ يمكن من خلاله دخول الوهم في بَعْض أحاديث الثقات يعدُّ سببًا من أسباب اختلاف الروايات متنًا وإسنادًا مِمَّا يؤدي بالمحصلة النهائية إِلَى حصول بَعْض الاختلافات في بَعْض الأحاديث. وهذا الأمر نراه جليًا في أحاديث الثقات الَّتِيْ أخطؤوا فِيْهَا. وما يأتي في كَثِيْر من الأمثلة اللاحقة دليل لما أصّلناه في أن الضبط أمرٌ نسبيٌّ ينفك عَنْ بعض الثقات أحيانًا في بعض الأحاديث.
وَكَانَ هناك رواة، لَهُمْ كتب صحيحة متقنة وفي حفظهم شيء وهؤلاء كانوا أحيانًا إِذا حدثوا من حفظهم غلطوا وإذا حدثوا من كتابهم أصابوا، وهذا أمر أولاه العلماء عناية؛ لأن فِيْهِ مزيد ضبط في رِوَايَة هَذَا الرَّاوِي خاصة، ومن الأمثلة عَلَى ذَلِكَ شريك القاضي وَهُوَ شريك بن عَبْد الله النخعي، الكوفي، القاضي بواسط، ثُمَّ الكوفة، أبو عَبْد الله: صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة [1] .
قَالَ فِيْهِ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عمار الموصلي [2] : (( شريك كتبه صحاح فمن سَمِعَ مِنْهُ من كتبه فهو صَحِيْح، قَالَ: وَلَمْ يَسْمَع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق [3] ) [4] . وَقَالَ فِيْهِ يعقوب بن شيبة: (( كتبه صحاح ) ) [5] . وفي رِوَايَة الْخَطِيْب البغدادي [6] عَنْ يعقوب في شريك: (( ثقة صدوق، صَحِيْح الكتاب، رديء الحفظ مضطربه ) ) [7] .
ومن الأمور الَّتِيْ يدخل الاختلاف بسببها لعدم الضبط، هُوَ عدم الضبط في بلد معين، وَهُوَ أن يَكُوْن الرَّاوِي ضابطًا إلا أنه في سماعه لحديث أهل بلدٍ معين لا يَكُوْن
(1) التقريب (2787) .
(2) هُوَ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عمار، أبو جعفر الموصلي، محدث الموصل، ولد بَعْدَ الستين ومئة: ثقة صاحب حَدِيْث، توفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين. سير أعلام النبلاء 11/ 469 - 470.
(3) هُوَ أبو مُحَمَّد إسحاق بن يوسف بن مرداس القرشي الواسطي المخزومي المعروف بالأزرق: ثقة، ولد سنة (117 هـ) ، وتوفي سنة (195 هـ) .
تهذيب الكمال 1/ 203 (389) ، وسير أعلام النبلاء 9/ 171، والتقريب (396) .
(4) شرح علل الترمذي 2/ 759.
(5) شرح علل الترمذي 2/ 759.
(6) أبو بكر أحمد بن عَلِيّ بن ثابت البغدادي، (الحَافِظ الناقد) ، ولد سنة (392 هـ) ، رحل إِلَى البصرة ونيسابور وأصبهان ومكة ودمشق والكوفة والري وصنف قريبًا من مئة مصنف مِنْهَا:"تاريخ بغداد"و"الجامع لأخلاق الرَّاوِي"، توفي سنة (463 هـ) .
انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 270، ومرآة الجنان 3/ 67، والبداية والنهاية 12/ 91.
(7) تاريخ بغداد 9/ 284.