فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 2488

أراد: متقلدا أرباق صاحب ثلّة وبهام كانت عنده، فقدم النّعت على المنعوت، ولم يكن النعت باسم فيقع الفعل عليه، وهو"متقلّد"ويجعل المنعوت بدلا منه.

وقال آخر:

صددت فأطولت الصّدود وقلّما … وصال على طول الصّدود يدوم [1]

ووجه الكلام؛ وقلّما يدوم وصال على طول الصّدود، وذلك أن الأصل في هذا أن يقال: قلّ وصال يدوم على طول

الصدود؛ لأن"قل"قبل دخول"ما"من حكمها أن لا تليها الأفعال؛ لأنها فعل، ولا يلي الفعل فعل، فأدخلوا عليها"ما"ليوطئوا للفعل أن يليه؛ لأن الفعل لا يمتنع أن يلي"ما"، وكان الحكم أن يولوها ما دخلت"ما"من أجله، وهو الفعل، فلما اضطرّ قدّم الاسم الذي كان يفعل بعد"قلّ"قبل دخول"ما"وإذا قلت:

"قلّ ما يدوم وصال"؛ فإنّ"قلّ"لم تزل عن فعليتها، غير أن الذي يرتفع بها:"ما"وهي اسم مبهم، يجعل في هذا الموضع للزمان، فكأنه قال: قلّ وقت يدوم فيه وصال، ويحذف العائد كما قال الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [2] يريد، تجزي فيه نفس عن نفس. وقد يجوز في"قلّ ما"أن تجعل"ما"زائدة، ويرتفع"وصال"بقلّ، فكأنك قلت: قلّ وصال يدوم، كما قال عز وجل: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [3] .

قال أبو سعيد: فمن ذلك قول الشاعر:

سأترك منزلي لبني تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا [4]

والوجه في هذا الرفع، وذلك أن قوله:"سأترك"هو مرفوع موجب، وما بعده معطوف عليه داخل في معناه، فحكمه أن يكون جاريا على لفظه، وإنما ينصب ما كان جوابا لشيء مخالف لمعناه كقولك:"ما تجلس عندنا فنحدّثك"، وما أشبه ذلك مما يحكم في موضعه، ولا يقال في الكلام:"أنا أجلس عندكم فأحدّثكم"إنما هو"فأحدّثكم".

وإذا اضطر الشاعر فنصب فيما ذكرنا أن الوجه فيه الرفع يؤوّل تأويلا يوجب

(1) البيت منسوب لعمر بن أبي ربيعة في سيبويه 1/ 12، وبلا نسبة في اللسان (طول) .

(2) سورة البقرة، آية: 48؛ 123.

(3) سورة النساء، آية: 155. والمائدة، آية: 13.

(4) البيت منسوب للمغيرة بن حبناء الحنظلي في خزانة الأدب 3/ 600.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت