فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 2488

قال أبو سعيد: اعلم أنّ هذه الأفعال التي ضمّنها هذا الباب أفعال تدخل على مبتدأ وخبر فتفيد فيها زمانا محصلا أو نفيا أو انتقالا أو دواما، فمن ذلك:"كان"ولها ثلاثة معان، أحدها: ما ذكرناه، كقولك:"كان زيد عالما"، وكان الأصل:"زيد عالم"فدخلت"كان"لتوجب أنّ ذلك في زمان ماض، وكذلك:"يكون زيد منطلقا".

وقد يكون ما جعلته"كان"في الزّمان الماضي منقطعا، وغير منقطع؛ فأما ما لم ينقطع فقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [1] وهو في كل حال موصوف بذلك عز وجل، وأما ما قد انقطع فقولك:"قد كنت غائبا وأنا الآن حاضر". وقد يحتمل أن يكون"وكان الله عليما حكيما"في تأويل المنقطع، ومعناه: ما وقع عليه العلم والحكمة، لا العلم والحكمة، كما قال الله تعالى: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ [2] والمعنى: حتى يجاهد المجاهدون منكم ونحن نعلمهم.

والمعنى الثاني من معاني كان: أن تكون في معنى: حدث ووقع، كقولنا:"كان الأمر"أي حدث.

والوجه الثالث: أن تكون زائدة. وقولنا:"تكون زائدة"ليس المعنى بذلك أنّ دخولها كخروجها في كل معنى، وإنما يعني بذلك أنه ليس لها اسم ولا خبر، ولا هي لوقوع شيء مذكور، ولكنها دالّة على زمان، وفاعلها مصدرها: وذلك قولك:"زيد كان قائم"و"زيد قائم كان"تريد ذلك الكون، وقد دلّت كان على الزمان الماضي؛ لأنك لو قلت:"زيد قائم"ولم تقل:"كان"لوجب أن يكون ذلك في الحال.

وقال الشاعر:

سراة بني أبي بكر تساموا … على كان المسوّمة العراب [3]

يريد: على المسوّمة العراب كان ذلك الكون. ومثل ذلك قولنا:"زيد ظننت منطلق"وألغينا"ظننت"ولم نعملها، ومع ذلك فقد أخرجت الكلام من اليقين إلى الظنّ.

كأنك قلت: زيد منطلق في ظنّي. وكذلك قولك:"زيد منطلق كان"وإن لم تعمل"كان"في اللّفظ، فقد أوجبت أن هذا المعنى في زمان ماض.

(1) سورة النساء، آية: 104.

(2) سورة محمد، آية: 31.

(3) البيت بلا نسبة في الخزانة 4/ 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت