فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 2488

وقول سيبويه:"ولكنه أدخل التأنيث على (ما) حيث كانت الحاجة".

يعني أنّث"جاءت"لمعنى التأنيث في (ما) ؛ لأن معناها: أيّة حاجة، ولو حمل"جاء"على لفظ"ما"لقال:"ما جاء حاجتك"إلا أنّ العرب لا تستعمل هذا المثل إلا مؤنثا والأمثال إنّما تحكي.

وقول العرب:"من كانت أمّك"جعلوا (من) مبتدأة، وجعلوا في كانت ضميرا لها، وجعلوا ذلك الضمير اسم كان وجعلوا"أمّك"خبرها وأنثوا"كان"على معنى"من"فكأنه قال:"أيّة امرأة كانت أمّك".

قال سيبويه:"وإنما صيّر جاء بمنزلة كان في هذا الحرف؛ لأنه بمنزلة المثل كما جعلوا عسى بمنزلة كان في قولهم:"عسى الغوير أبؤسا". ولا تقول: عسيت أخانا. وكما جعلوا"لدن"لها مع"غدوة"حالة ليست مع غيرها، مع غدوة منّونة، كقولهم: لدن غدوة ومن كلامهم أن يجعلوا الشيء في موضع على غير حاله في سائر الكلام، وسترى مثل ذلك إن شاء الله تعالى".

قال أبو سعيد: أما قوله:"إنما صير جاء بمنزلة كان في هذا الحرف"يعني أنهم جعلوا له اسما وخبرا، كما جعلوا لكان، وقد بينّا هذا. ومثل ذلك:"عسى الغوير أبؤسا"جعلوا الغوير اسم عسى ومرفوعا به، وأبؤسا خبر الغوير، فجرت"عسى"مجرى"كان"في أن لها اسما وخبرا في هذا المثل فقط. ولو قال قائل:"عسى زيد أخاك"، كما تقول:"كان زيد أخاك"لم يجز، وإنما أراد أن يريك أن"جاء"و"عسى"في الكلام في غير هذين المثلين ليسا بمنزلة"كان"وصيّرا في هذا الموضع بمنزلة كان في العمل.

وقولهم:"عسى الغوير أبؤسا"يقال إن"الزبّاء"الرّومية هي التي قالته لما أتاها"قصير"بصناديق فيها رجال طالبا لثأر جذيمة الأبرش منها، فأخذ في طريق الغار مريدا للإيقاع بها، ولم يكن الطريق الذي يسلكه إليها ذلك الطريق، فلما أحسّت بذلك قالت:

عسى الغوير أبؤسا.

وأبؤس جمع بأس فكأنها قالت: صار الغوير أبؤسا، إلا أنّ عسى فيها معنى الشكّ والتوقّع، وصار لليقين فعسى هاهنا وإن أجريناها مجرى (صار) و (كان) ، فهي غير خارجة من معنى الشك، فكأنها قالت: عسى الغوير أن يأتيني البأس من قبله.

والغوير تصغير الغار. وفي الناس من يقول: عسى الغوير أن يكون أبؤسا، فينصب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت