فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 2488

وحرفين، غير أن الغالب على"منذ"أن تكون حرفا، وعلى"مذ"أن تكون اسما: وأنا مبين جملة كافية في ذلك إن شاء الله.

تقول:"ما رأيته منذ يوم الجمعة"و"ما رأيته منذ اليوم". وإذا قلت:"ما رأيته منذ يوم الجمعة"كان معناه: انقطعت رؤيتي له من يوم الجمعة، فكان يوم الجمعة لابتداء غاية انقطاع الرؤية، فمحل ذلك من الزمان كمحل"من"في المكان. إذا قلت:"ما سرت من بغداد"، أي ما ابتدأت السير من هذا المكان، فكذلك: ما وقعت رؤيتي عليه من هذا

الزمان، غير أن"من"على ما ذكرها البصريون تستعمل في غير الزمان، ويستعمل مكانها في الزمان:"منذ".

فإن قال قائل: فقد قال الله عز وجل: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ [1] ، و"أول يوم"من الزمان، فقد دخلته"من"على الزمان.

ثم قال زهير:

لمن الدّيار بقنّة الحجر … أقوين من حجج ومن دهر [2]

وحجج معناها: سنون، وقد دخل عليها:"من". فالجواب في ذلك: أن قوله:

"من أول يوم"يجوز أن يكون معناها: من تأسيس أول يوم، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقول زهير:"من حجج"أي من مر حجج.

والكوفيون يزعمون أن"من"تصلح للمكان والزمان، و"منذ"لا تصلح إلا للزمان، وتعلق بعضهم بما ذكرناه وقد أنبأنا عما فيه.

وتقول:"ما رأيته مذ يوم الجمعة"و"ما رأيته مذ السبت"وإن شئت قلت:"مذ السبت". فأما من ضم الذال فإنه اتبع الضمة الضمة. ومن كسر فلالتقاء الساكنين على ما يجب من الكسر لالتقاء الساكنين.

وفي الضم وجه آخر، وهو أن"مذ"مخففة من:"منذ"، كما خففت"رب"من:

"ربّ"، وقد كانت الذال من"منذ"مضمومة، فلما اضطر إلى تحريك الذال في"مذ"ضم بحركته في:"منذ".

(1) سورة التوبة، آية 108.

(2) البيت لزهير في ديوانه ص 86، وخزانة الأدب 4/ 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت