ولم تكن لهم حجة قط، تبرهن على صحة اتباعهم، سواء كانت حجة نقلية أو عقلية وإنما كانوا مُجرد مقلدين آباءهم وأسلافهم، ومن ثم فقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يُنزّل القرآن في الفترة الأولى من عمر الدعوة الإسلامية، أي الفترة الصعبة، لعلاج هذه القضية المهمة، قضية التوحيد، والتي تمثّل الأساس الذي يقوم عليه البناء، وبذلك يمكن القول: إنه إذا صحت العقيدة وكمُل إيمان المرء سهل عليه بعد ذلك تقبل الأحكام الشرعية والإذعان لها. تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي أخرجه البخاري:
"... إنما نزل أول ما نزل منه ـ أي من القرآن ـ سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء ¸لا تشربوا الخمر· لقالوا لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل ¸لا تزنوا· لقالوا لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل على محمد ³ وإني جارية ألعب ?بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ? القمر: 46."
وقد أُنزل القرآن في هذه الفترة لبيان قضية التوحيد، وعالجها بأساليب مختلفة من القصص، وضرب المثل، والترغيب والترهيب، وغير ذلك مما هو مبسوط في القرآن وكتب السنة والسيرة.
والركيزة الثالثة من ركائز الدعوة الإسلامية وأسسها هي أنها دعوة عالمية. فمنذ أن بعث الله نبيه محمدًا ³ برسالة الإسلام والدعوة قائمة، فلم تكن محدودة بزمان ولا مكان، بل هي دعوة للعالم أجمع. والآيات القرآنية الدالة على ذلك كثيرة لا يسمح المقام هنا بذكرها معًا، لكننا نورد بعضها الذي يؤكد ما ذهبنا إليه. من ذلك قول الله عز وجل مخاطبًا نبيه محمدًا: