ثالثًا: تحرير الرقيق هدف إسلامي. حرص الإسلام على فتح أبواب تحرير الرقيق على مصاريعها، بطريقة تشريعية هادئة ومتدرجة: إما على سبيل الفرض والوجوب الذي لا خيار للمكلف في تنفيذه، وإما على سبيل الحضّ والندب، والوعد الصادق من الخالق لمن يعتق عبدًا، بعظيم المنزلة وكريم التعويض في الدنيا والآخرة.
وقد حوّل الإسلام بعض أنواع العتق الذي كان اختياريًا إلى فرض لازم، يجب الوفاء به، مادام صاحبه قد باشر أسبابه.
ومن النوع الأول الذي هو تحرير الرقيق على سبيل الوجوب: ما تعلّق بسبب صادر عن المكلف نفسه، كالحنث في اليمين والقتل الخطأ وظهار الزوجة ـ أي تشبيه الزوج لها بأمه في الحرمة ـ قال تعالى: ? ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبه مؤمنة ? النساء: 92. وجاء نحو هذا في اليمين والظهار.
ومن هذا النوع أيضًا: نذر الإنسان أن يعتق عبدًا تقربًا إلى الله تعالى، إذ يجب عليه الوفاء بالنذر التزامًا بما صدر منه مع أن أصل النذر مباح واختياري.
ومن ذلك أيضًا: المكاتبة، وهي: قبول السيد من رقيقه تحرير نفسه مقابل مبلغ من المال يدفعه إليه على أقساط فيجب على المالك الالتزام بها وعتق رقيقه بموجبها، مع أنها في الأصل مباحة واختيارية، قال الله تعالى: ? فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا ? النور: 33.
ومن ذلك أيضًا: التدبير، وهو: وعد السيد رقيقه بأن يُمنح الحرية بعد وفاته، فإذا مات السيد صار الرَّقيق حرًا على سبيل الوجوب الشرعي الذي ليس له ردّ، مع أن الأصل في التدبير الإباحة والاختيار.
ومنه أيضًا: ما كان سببه احتراما لحكم الشرع المراعي للفطرة البشرية السوية، من مثل ما يعرف بالاستيلاد، وهو: ولادة الأَمة ولدًا من سيدها، حيث تصبح حرة بعد موت سيدها، ومن مثل: ما يعرف بملك المحارم، وهو: تحرر الرقيق بمجرد أن يملكه محرمه، كمن ملك خالته أو عمته، فإنهما تُصبحان حرتين بمجرد تملكه لهما.