توخَّت تلك الفتوحات أيضًا تخليص الشعوب من طغاتها الظالمين ومن أوضاعها الدينية والاجتماعية السيئة. وقضت على الحق الذي كان يزعمه الملوك والرؤساء لأنفسهم من أن مشيئتهم هي مشيئة الله وأن الخضوع لهم خضوع لله. فعندما سأل رستم ـ قائد الفرس في معركة القادسية ـ ربعي بن عامر مبعوث سعد بن أبي وقاص إليه عن سبب مجيء المسلمين إلى العراق، قال ربعي: ¸الله جاء بنا، وهو بعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نُفضي إلى الجنة، أو الظفر·. انظر: القادسية، معركة. وعندما سأله رستم إن كان هو زعيم المسلمين، فردّ بقوله: ¸لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد، بعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم·، وتعجب رستم من كلامه. وكرَّر حُذَيْفَةُ بن مُحْصِن مبعوث سعد إلى رستم في اليوم التالي ما قاله ربعي، وعندما سأله عن سبب تخلف ربعي هذه المرة قال له: ¸أميرنا يعدل بيننا في الشدة والرخاء، وهذه نوبتي·. وأرسل سعد المغيرة إلى رستم في اليوم الثالث، وجاءه فجلس معه على سريره، فاستنكر ذلك أعوان رستم، وأقبلوا عليه يجذبونه، فقال لهم: ¸قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قومًا أسفه منكم، إنا معشر العرب لا يستعْبد بعضنا بعضًا، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم، وأني لم آتكم، ولكنكم دعوتموني، اليوم علمت أنكم مغلوبون، وأن مُلْكًا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول زائل·. فقالت السوقة: ¸صدق والله العربي·، وقال الزعماء: ¸لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا تنزع إليه، قاتل الله سابقينا حيث كانوا يصغرون أمر هذه الأمة·.