أرادت الأمة الإسلامية أن تنقل مُثُلَها التحررية إلى الشعوب المضطهدة، تلك المثل التي نلمحها في قول واحد من عامة الناس لعمر بن الخطاب وعلى ملأ من الناس، ¸والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقَّومناه بسيوفنا·، وقيل مثل هذا لأبي بكر من قبل. وقال آخر لعمر: ¸لا نسمع ولا نطيع·، وذلك حين رأى عليه ثوبًا لم يعلم مصدره، بل ظن أنه من مال الدولة، ولم يترفع عمر عن بيان مصدر ثوبه الثاني. ولو كان حكام المسلمين مثل حكام الروم لما أمر عمر بأن يقتصّ ابن قبطي مصري من ولد واليه على مصر ـ عَمْرو بن العاص ـ وفي ملأ من الناس، وطلب من الغلام القبطي المظلوم أن يضرب عَمْرًا على صلعته، لأن ابنه تجرأ على الظلم لمكانة والده، وخاطب عمْرًا بكلمات خالدة: ¸متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟·. وكان الروم يسومون أهل مصر سوء العذاب، ولا يتجرأ أحد على رفع شكايته إلى رئيس الدولة.
ويعترف أحد المستشرقين وهو توماس آرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام بأن القبائل النصرانية اعتنقت الإسلام عن اختيار وإرادة حرة، ويذكر أن النصارى كتبوا إلى المسلمين العرب يقولون لهم: ¸يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أرأف بنا وآنف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا·.