معرفته بالقرآن. يعكس شعر المتنبي شدة تأثره بالقرآن الكريم: قوَّم القرآن لسانه كما استولى إعجازه على عقله. فتفتَّحت مواهبه الفنية في شعر هو نسيج وحده. انفعل المتنبي ببلاغة القرآن وروعة معانيه وجمال قصصه وبديع استعاراته. ويبدو هذا التأثر أوضح ما يكون في شعره حين يستوحي تارة القصص وأخرى المعاني وثالثة الاستعارات.
رحلاته
خرج المتنبي من السجن في حمص بعد أن عرف جور الزمان وكيد الأعداء. فلحق بالتنوخيين في اللاذقية وأقام عندهم حينًا من الزمان. وتوثقت صلته بأبناء إسحاق التنوخي محمد والحسين ونظم فيهما قصائد من أجمل شعره.
ارتحل بعد ذلك إلى الكوفة وأمضى زمنًا يشتغل بالعلم، راغبًا عن مدح الناس أو التعرض بشعره لأحداث تلك الفترة. ثم خرج في 326هـ من الكوفة ـ ولا نعلم سبب خروجه ـ متوجهًا إلى الشام للمرة الثانية، وبدا في هذا الطور من حياته شديد التأثر بحال الأمة العربية بعد أن ملك زمامها الموالي من الترك والديلم. وخرج من اللاذقية إلى طبرية وعاد إلى اللاذقية مرة أخرى. ثم ارتحل منها إلى حلب ومنها إلى أنطاكية قاصدًا المغيث بن علي بن بشر العجلي. كما مدح عددًا من وجوه القوم بها. ولكنه مل المقام فخرج إلى حمص ولبنان.
استقر في عام 328هـ في رحاب بدر بن عمار. وكان بدر عربيًا حلو الشمائل فوجد المتنبي في بلاطه شيئًا من الاستقرار، فابتهجت نفسه وتجدد أمله. يقول:
أحلمًا نرى أم زمانًا جديدًا
أم الخلق في شخص حيّ أعيدا
تجلى لنا فأضأنا به
كأنا نجوم لقين سعودا
ورأى في بدر الأمير كل الأمير، والجود كل الجود، وكان شديد الإعجاب به وظل في حضرته حتى سنة 333هـ. وبادله بدر حبًا بحب فتفتحت شاعريته وكتب لاميته في وصف الأسد التي مدح فيها بدرًا. وتعد من عيون شعره:
أَمعفِّر اللَّيث الهزبر بسوطه
لمن ادَّخرت الصارم المصقولا