ولكن المقام لم يطب له كل المطاب؛ فأعداؤه وحساده سعوا لإفساد ما بينه وبين أميره، وأغروا به الشعراء ليكيدوه بألسنتهم، وبدأ الأمير ينصرف شيئًا فشيئًا عنه بعد أن كان المقدم لديه. ولعل اعتداد المتنبي بذاته وعدم تمرسه بحياة القصور ودسائسها كان مما وسع الشقة بينه وبين أميره. فخرج من بلاط بدر قاصدًا دمشق ونزل بجبل جرش عند أبي الحسن علي بن أحمد الخراساني وكانت بينهما مودة واستظل بحماه ومدحه بقصيدة قال فيها:
لا افتخار إلا لمن لا يضام
مدرك أو محارب لا ينام
وخرج قاصدًا أنطاكية عام 334هـ وبها أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد الخصيبي. ووصله في هذه الفترة كتاب من جدته تسأله السير إليها وتبثه شوقها، فقصد الكوفة ولكن حيل بينه وبين دخولها. وتوفيت جدته فرثاها بقصيدته المشهورة:
ألا لا أرى الأحداث حمدًا ولا ذمًا
فما بطشها جهلًا ولا كفها حلمًا
انحدر المتنبي إلى دمشق، وكان سيف الدولة قد صد الروم واستولى على أكثر الشام. وصار ملء السمع والبصر، وكان أبو العشائر والي سيف الدولة على أنطاكية قد مهد للمتنبي الانتقال إلى بلاط سيف الدولة بحلب. وكان سيف الدولة يحتاج شاعرًا مثل المتنبي على كثرة شعراء بلاطه؛ شاعرًا يصور تلك المرحلة من البطولات التي كانت تعيشها الأمة العربية. فوجد كلٌّ منهما بغيته في صاحبه، فكتب المتنبي أجمل شعره ـ الذي يمثل ديوانًا خاصًا هو سيفيات المتنبي ـ كله أو جله خلال إقامته بالشام. لم يمدح أحدًا غيره خلال هذه الفترة، ولم يبخل الأمير على شاعره ولكن ذات الشاعر القلقة وطموحه الذي لا يُحَدُّ، فضلًا عن أسباب أخرى أسهب الرواة في ذكرها، جعلت المتنبي يشد الرحال من حلب قاصدًا دمشق سنة 346هـ. واتجه إلى الرملة في فلسطين ومدح الأمير ابن طغج عامل كافور الذي زين له الرحلة إلى كافور.