ولغيره مقطوعات قليلة فيها هذا الالتزام، ولكن الجديد في صنع المعري أنه نظم ديوانًا كاملًا على هذا النمط حاويًا جميع حروف المعجم فجاء عملًا يحمل بصماته مقترنًا باسمه، وظل ديوانه هذا نسيج وحده، ولم يستطع شاعر أن يحذو حذوه إلا في المقطوعات المحدودة. وقد قدم له المعري قائلًا:"وقد تكلفت في هذا التأليف ثلاث كلف: الأولى أن ينتظم حروف المعجم عن آخرها، والثانية أن يجيء رويه بالحركات الثلاث وبالسكون، والثالثة أنه لُزم مع كل روي فيه شيء لا يلزم". وفوق هذا لم يضعه قصدًا للبراعة اللفظية والمقدرة اللغوية فحسب، وإنما قصد به إلى معان فلسفية، كذلك جاء من أحد عشر ألف بيت في مائة وثلاثة عشر فصلًا. وقد جاء الديوان مثقلًا بالغريب واستعمال المصطلحات، وجاءت القيود المتراكمة هذه على حساب الوحدة المعنوية في المقطوعات أحيانًا إذ يركز فيها على وحدة القوافي.
ويرى بعض النقاد أن المقطوعة أو القصيدة في اللزوميات تطول وتقصُر تبعًا لصعوبة القافية وسهولتها، فقد تساعده القافية السهلة فيمتد نفسه الشعري، فيكثر من الأبيات وإن استوفى المعنى المراد، وقد ينقطع نفسه عند البيتين والأبيات القليلة، وإن كان في المعنى متسع لأن القافية تضطره إلى ذلك. ومثال واحد من الديوان يكفي للرد على هذا القول وهو اللزومية:
نوائب، إن جلت، تجلت سريعة
وإما توالت في الزمان تولت
وهي خمسة أبيات، وكان يمكن أن تطول جدًا، إذ قافيتها سهلة. ومن أمثلة إثقال الأبيات بالعلوم والمصطلحات قوله:
مالي غدوت كقاف رؤبة قيدت
في الدهر لم يطلق لها إجراؤها
أعللت علة قال وهي قديمة
أعيا الأطبة كلهم إبراؤها
ويقول:
فصحيحة الأوزان زادتها القوى
حرفا فبان لسامع نكراؤها
ويقول:
ووجدت دنيانا تشابه طامثا
لا تستقيم لناكح أقراؤها
أثر علمه وثقافته في شعره