لا شك أن للحرب أسباب أعظم من هذا السبب الساذج المختمر في أذهان المخذلين المنهزمين هزيمة نفسية وحسية لا يعلمها إلا الله وحده، ولعلي ألمح إليها اختصارًا:
الأول:
سنة الله في خلقه العامة وسنته في عباده المؤمنين الخاصة وابتلائهم - أهل السنة في العراق - وفي كل صقع من أصقاع المسلمين، وسنته جلت قدرته في إملائه للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
قال البخاري رحمه الله تعالى: (باب قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} ، حدثنا صدقة بن الفضل أخبرنا أبو معاوية حدثنا بريد بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، قال ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} ) .
إنها سنته في الصراع الدائم بين الحق والباطل.
إنه انتفاش الباطل وانتفاخه عندما يسمع بوجود الحق حتى وإن كان الحق ضعيفًا لا يستطيع حراكًا البتة، {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ* قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} ، هكذا في تبجح سافر وفي إصرار على المعركة لا يقبل المهادنة والتعايش الذي يدعوا إليه رموز الانبطاح، فقد دعاهم شعيب صلى الله عليه وسلم إلى أعدل نقطة وإلى موقف لا يسعه عليه السلام أن يتراجع بعده خطوة واحدة - ربما تشبه نقطة"العيش!! أكل فتات الخبز"عذرًا التعايش المزعومة لدى المنهزمين ... ولكن هذه النقطة ليس لها ما بعدها من الانبطاح إذ أنها بوحي من الله ... والدعوة لا تزال فتية جدًا -"حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين".
ولكن هل رضي الطاغوت بذلك؟ ... إن الطاغوت يفرض المعركة فرضًا على الجماعة المسلمة حتى لو آثرت ألا تخوض معه أي معركة وقبلت بـ -"العيش"- التعايش.