أقول: هذا فيما يخصك من عبادات بدنية أو مالية تريد القيام بها، واما ما يخص الدعوة والدفاع عن الدين فهي ضمن قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} .
ولكن ما المقصود بهذه الآية، قال القرطبي: (هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين ... إلى آخر ما قال) .
وعلى أنها محكمة غير منسوخة - وهو الصواب - فإن الحكمة في موضعها، فمن المقام ما يناسبه القسوة والزجر:
قسى ليزدجروا ومن يكن ... حازما فليقس أحيانًا وحينا يرحم
إن مقام الدعوة يختلف باختلاف الظروف والأجواء، فإن من الظروف لا يصلح فيها إلا اللين، ومنها ما لا يصلح فيها إلا الشدة والقسوة، وباطل كل البطلان التعميم من غير دليل! وإلا فما معنى قطع يد السارق وجلد الزاني والقاذف ورجم المحصن وجلد شارب الخمر وقتال البغاة وصلب قطاع الطريق و ... و ... و ... ؟ هذا في حق المسلمين، وفي حق الكافرين شرع قتالهم وجهادهم ومنابذتهم وعدم مجالستهم، أو بدئهم بالسلام، بل إذا رأيناهم في طريق نضطرهم إلى أضيقه ونحاول أن نذلهم قدر المستطاع، كما هي وصية عمر رضي الله عنه، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، بل أين نحن من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) [البخاري] ؟
إن سياسة الانبطاح للريح، والتي تقول؛ إذا واجهتك الريح فانحني لها لكي لا تسقط، هي سياسة هوجاء، لأني كما قلت؛ من ينحني للريح مرة ينحني مرات، ولئن تصطدم بك الريح فتخر صريعًا على قامتك خير من أن تسفي عليك الريح ما تسفي من الرمال وأنت منبطح لها حتى تموت مدفونًا غير محزون عليك.
نصيحتي أن يتقي الله أصحاب"الأنوثة الفكرية"ويتحرورا من ربقة الانهزامية المقيتة، وذل اليأس المشين، فما علينا إلا أن ندعو إلى الله كما أمرنا، وعلى المولى الهداية، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} .