فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 295

قلت: سبحان الله، ألم تقولوا إن عالمية الإسلام جزء لا يتجزأ من فكركم ومبادئكم؟ ثم لماذا تفصل شأنك القطري كما تقول عن الشأن العالمي؟ الله الخالق وضع النفط في أرضنا فجاء الأمريكان واحتلوا بلادنا فأصبحنا جزءا من العالمية شئنا أم أبينا .. ثم لاحظ أن حديثكم عن عالمية الاسلام مخادعة للنفس فأنتم في الواقع تكرسون مفهوم (الإسلام الإقليمي أو القطري) عندما تطرحون المشكلة بشكل محلي وتريدون تصوير مشكلة الإسلام على أنه مشكلة قطرية متعلقة بالبلد الفلاني، وأنتم تدركون جيدا أن الإسلام يرفض تماما كل هذه الكيانات الورقية القائمة في بلاد الإسلام تحت رعاية الغرب، وأنتم بمقولاتكم وخصوصا الأخيرة منها مثل دعوتكم (للمجتمع المدني) تعلنون بكل صفاقة عن فشل حملكم للدعوة للإسلام كدين عالمي لا يرتبط بالحدود الوهمية التي صنعها المستعمر بل لا يعترف بها إطلاقا .. إن دعوتكم للمجتمع المدني إعلان هزيمة منكم لكل المبادئ التي كنتم تحملونها عن الإسلام .. بل وأصبح بعض مفكريكم يجهل الفرق بين الإسلام السلفي الخالص وأن السلفية كمبادئ هي أفضل ضمانة للمحافظة على حقوق المجتمع وبين مفهوم (المجتمع المدني) الذي يروجون له .. ولستم محتاجين لاستعارة المفاهيم من الليبراليين حتى تتشدقوا بالمجتمع المدني وأنتم لا تدركون حقيقته وأنه في الواقع تكريس لمفهوم الدولة القطرية الذي يرفضها الإسلام من جذورها .. لكن لا تقل لي إن الإسلام السلفي كرس الإستبداد لأنني سأقول لك إن الإسلام الرسمي الذي تحالف مع هؤلاء السلاطين والملوك الجاثمين على صدورنا ليس هو الإسلام الذي امرنا الله به والسلفية الحقة بريئة منه .. والحديث عن المجتمع المدني لا نراه إلا هروبا من المسؤولية في تجريم الحاكم إلى الإغراق في الحديث عن تخلف المجتمع ومؤسساته. بالله عليكم كيف تريدون أن تقيموا مؤسسات المجتمع المدني والحاكم جاثم على صدروكم حتى التنفس لا تستطيعون أن تتنفسوا؟ أخبرني عن تغيير واحد كبير في التاريخ بدأ بمؤسسات المجتمع المدني؟ ولعلمكم فإن المجتمع المدني في أوربا بدأ بعبارة (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس) !!

فقال أبو ياسر: أما مسألة المجتمع المدني فربما تكون هذه وسيلة لنيل الحقوق ولسنا نريد استعارة مفهوم المجتمع المدني كاملا وأما كلامك عن عالمية الإسلام فكونها كذلك لا يعني أن نفعل ما ليس في طاقتنا، وليس من الحكمة أن يورط الإنسان نفسه أو غيره في ميدان أكبر منه أو عدو أقوى منه.

قلت: سنرجئ الحديث عن المجتمع المدني إلى وقت آخر لكن يجب أن أقول أنه من الجميل أن تعترف بأن المسألة عجز، لكن سؤالي ليس عن قدراتكم، سؤالي هو عن تكييفكم لمن هو الخصم الأول للإسلام وكيف نجح في تحجيم الإسلام؟

فقال: لا أعتقد أن هناك من يجادل أن أمريكا تدعم وتتبنى إسرائيل ومتربصة بالإسلام والمسلمين وتحاربهم وتحاصرهم بأكثر من صورة، ولا نشكك أبدا بأنها حجمت المشروع الإسلامي من خلال عملائها من الحكام في العالم الإسلامي وسيطرتها على ما يسمى بالمؤسسات الدولية، هذا كله لا نجادل فيه، لكننا نعتقد أن المرحلة مرحلة تربية وتصفية وتأصيل شرعي وحماية المكتسبات الدعوية والخيرية النشيطة في العالم الإسلامي كله. ولم يخطر ببالنا أن مواجهة أمريكا اولوية أبدا.

قلت: هل المسألة عدم أولوية أو هي عجز واستصغار الذات؟ يعني بعبارة أخرى إن كان استهداف أو مواجهة أمريكا ليس أولوية فهل هو في برنامجكم مطلب أو خطوة متأخرة وأجلتموه قناعة بضرورة تأجيله حتى تستكمل الأستعدادات أو هو مشروع لم يرد أصلا في خطتكم؟ ورجاء أريد إجابة هذا السؤال بكل أمانة وتجرد.

استفزت عبارتي الأخيرة أبا ياسر وتضايق منها وقال:

لا داعي لأن توصيني على الأمانة والتجرد، دعني أكن صريحا معك في هذا، ليس لدينا خطة سياسية واضحة فضلا عن مواجهة أمريكا. نعم لا توجد أي خطة لاستهداف أمريكا لا حاليا ولا لاحقا ولا توجد أي استراتيجية لذلك. لكن لماذا نستهدف أمريكا أصلا، حين قلت أنها ليست أولوية قصدت أنها ليست مطلوبة أصلا. لسنا بحاجة لأن نستهدف أمريكا لا حاليا ولا لاحقا.

فقلت: أعتذر يا شيخ إن كانت عبارتي مستفزة لكن أنت تعلم مقال الأول:

وجدال أهل العلم ليس بضائر *** مابين غالبهم إلى المغلوب

لكن أخبرني ماذا تعمل لمواجهة الخطر الأمريكي وتغوّله على الإسلام والمسلمين؟ هل لديك خطة لذلك؟

قال: نستمر في العمل الدعوي والتربوي والإعلامي وإصلاح المسلمين إلى أن ييسر الله لهم أنظمة سياسية صالحة ربما تكون في مستوى مواجهة الكفر العالمي سواء بقتال أو بمواجهة سياسية.

فقلت: هل تدرك أخي أنك بهذا تعترف اعترافين في وقت واحد، أولا أنت تعترف أن الجهاد ليس محسوبا في برنامجكم مطلقا لا حاليا ولا مستقبلا وثانيا أنت تعترف أن ليس لديكم أي خطة لمواجهة عدو الإسلام الأول ...

فقاطعني قائلا: لحظة من قال إن الجهاد غير محسوب، نحن نؤمن بوجوب الجهاد لكن في وقته وظرفه.

هنا وجدت الفرصة سانحة لإمطاره بالأسئلة التي أنا أدرك جيدا أنه سيتحايل على الإجابة عليها:

فقلت: هل لديكم برامج لإعداد كوادركم وتدريبها جهاديا مثلا؟

قال: لا، لكن لا نعتقد أصلا أننا نحتاج ذلك؟ نحن نعتقد أن فرضية الجهاد مسألة محسومة في الشرع ولا يسعنا أن نشكك فيها.

قلت: حسنا، أكرر السؤال، هل لديكم برامج لتربية كوادركم جهاديا بمراكز أو معسكرات تدريب، أو أي شيء ينوب عنها، أو على الأقل تربّونهم على تصنيف العالم والنظر له من منظار جهادي، وتبشرون بحال ينادي فيها منادي الجهاد؟

فقال: أنت تعلم أن الظروف لا تسمح بذلك مطلقا، وما يسمى بالتربية الجهادية يفتح علينا أبوابا نحن في غنى عنها الآن. ونحن في الجملة ضد هذه الأفكار التي غالبا ما تنتهي بتدمير الحركات الإسلامية كما حصل في مصر والجزائر.

فقلت: يعني أنت ترى أن مجرد التربية الجهادية وتعليم الناس أن يحدثوا أنفسهم بالغزو ويتدربوا عند اللزوم للمستقبل وينظروا للعالم بمنظار جهادي مسألة مرفوضة لأنها تجر عليكم تحطيم العمل الإسلامي؟ طيب هل تمنع غيركم من القيام به؟

فقال: نعم لأنه سيؤدي إلى ضرر كل العمل الإسلامي كما حصل بعد أحداث سبتمبر وكما حصل بعد أحداث مصر والجزائر، والقرآن يقول لمن لم تكتمل أدواته"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة".

قلت: أنت إذًا تقرر من خلال هذا الآية ومن خلال خلط نموذج مصر والجزائر مع نموذج سبتمبر تجميد فريضة الجهاد القتالي سواء مع الأنظمة الطاغوتية في العالم الإسلامي أو مع رؤوس الكفر الصريح إلى أن تكتمل ما أسميتها بالأدوات؟ وتذهبون إلى أبعد من ذلك فتتجنبون التربية الجهادية والتدريب والإعداد حتى لا يفضي إلى هذه النتيجة؟

قال: نعم ولكن لا تفهم من كلامنا أننا نبطل فريضة الجهاد بل إننا نعتقد جازمين أن الجهاد فرض ثابت بالكتاب والسنة ومن شكك في فرضيته أنكر معلوما من الدين بالضرورة.

قلت: لا تقلق لن أفهم كلامك خطأ، لكننا سنحتاج إلى (نيكولاس فلاميل) آخر و (حجر فيلسوف) جديد حتى نحل المعضلة التي تقولها! إذ يتضح من كلامك أن الاعتقاد بوجوب الجهاد مسألة نظرية بحتة لا يصلح أن يطبق شيء منها، ولا حتى التربية الجهادية والإعداد والتدريب. وآيات القتال والتمكين لدين الله في الأرض وأحاديث الحث على الجهاد ووجود طائفة مؤمنة على مر العصور ترفع راية الجهاد واتفاق العلماء على وجوب الإعداد والموتة الجاهلية لمن لم يحدث نفسه بالغزو كلها مسائل مجمدة؟

كنت أعلم أن الكلام عن الجهاد من المضائق لدى (الحركيين) وكثيرا ما يتخبطون فيها وقد حشر أبو ياسر في الزاوية وتهرب بأن قال:

أخشى أن أضطر لتكرار الكلام السابق أعلاه لكن دعنا نستخدم عبارة أفضل من مجمدة وهي مؤجلة.

فقلت: لإتمام الإجهاز على حجته والانتقال لنقطة جديدة:

حسنا اتضحت الفكرة هنا، وانتهينا إلى أنكم قد أجلتم أو جمدتم كل المسائل المتعلقة بالجهاد وهنا ستدخلون في إشكال ليس مع تنظيم القاعدة بل مع الله سبحانه وتعالى .. وأرجو من الله أن يرحمكم .. لكن دعنا نتجاوزها إلى سؤال أكثر دقة وهو عودة إلى مسألة تكييف الواقع فيما يخص مواجهة العدو الأمريكي. أنتم جمدتم أو أجلتم كل المشاريع الجهادية وما يتصل بها بناء على فهمكم لواقع أمريكا والعالم الإسلامي وتقديركم لإمكاناتكم. السؤال المهم هنا ألا تعتبرون نشاط جهة مهمة مثل تنظيم القاعدة جزءا من هذا الواقع؟ أنتم ترصدون وتحللون واقع أمريكا والعالم الإسلامي، ألا ترون أن من المهم رصد وفهم طبيعة ومنهج واستراتيجية هذا التنظيم ما دام قد ثبت أنه رقم مهم في المعادلة؟

فقال: لا نعتقد أن تنظيم القاعدة يحتاج رصدا خاصا فهو تنظيم معروف بتاريخ معروف بأهداف معروفة ونشاط معروف، ويبقى تصور المواجهة العالمية كما هو. مع كل تقديرنا للتاريخ الجهادي للرموز التي في القاعدة نؤكد أنه لولا رد الفعل الأمريكي على استفزازات القاعدة لما كان لها ذلك التأثير الكبير. أي إنسان متهور يستطيع يستفز أمريكا ويستجلب منها رد الفعل هذا.

فقلت: هل أنت متأكد أن أي إنسان متهور يستطيع أن يستفز أمريكا ويستجلب رد فعل هائل مثل الذي حصل بعد أحداث سبتمبر أو حتى بعد كينيا وتنزانيا؟ أليس من العدل والإنصاف أن نتأمل الأحداث قليلا ونرى تطور عمليات القاعدة من أحداث الصومال وعدن إلى تفجير الرياض والخبر إلى ضربتي كينيا وتنزانيا إلى ضربة المدمرة كول إلى ضربة سبتمبر؟ ضربات متصاعدة بردود أفعال أمريكية متنامية، بكل أمانة هل تأملتم ودرستم سلسلة الأعمال التي نفذتها القاعدة حتى تقول إنه مجرد عمل متهور؟ بل دعني أكون أكثر بساطة في السؤال، هل خطر في بالكم أن لدى القاعدة استراتيجية حقيقية وليس مجرد استفزاز للأمريكان؟

فقال: نحن نشك بوجود استراتيجية بالمعني الحقيقي لدى القاعدة وكل الذي نظنه أنهم استلذوا بمسألة تحدي أمريكا لما تجلبه من إثارة للعواطف الإسلامية، والعواطف لا تصنع تغييرا. والعيش في ظروف القسوة والشدة لها طعم ولذة تستهوي البعض.

فقلت: أخي الكريم، هل تقر أنك بذلك تعترف بأنك أنت وجماعتك وتيارك لا تعلمون إلا انطباعات عامة عن القاعدة وليس معرفة بحقيقتها واستراتيجيتها ومنهجها وخطتها؟

فقال: نحن نستقريء منهجها واستراتيجيتها استقراء، وقد فهمنا أنه تجييش عواطف ضد أمريكا وبس. بمعنى آخر نعتقد أنه لا توجد استراتيجية أصلا بل هو حماس مدفوع بالحقد على أمريكا وافق هوى عند جماهير المسلمين.

فقلت: ألا تعتقد أن هذا دليل على ضعفكم أنتم وليس دليلا على ضعف القاعدة؟ أنت قبل قليل اعترفت أنه ليس لديكم برنامج ولا استراتيجية لا محلية ولا عالمية وأنكم تكررون منهج تربية وأسلوب دعوة عفى عليه الزمن. أسألك سؤالا صريحا، هل فكرتم في جماعتكم أو تياركم أن تدرسوا ظاهرة القاعدة وبن لادن دراسة مستفيضة؟ أو هل ذهبتم لأبعد من ذلك وأرسلتم من طرفكم مندوبين يسألون القاعدة عن منهجهم؟

فقال: الجواب الصريح هو لا هذا ولا هذا، لم ندرس ظاهرة القاعدة دراسة مستفيضة ولم نرسل مندوبين للحديث مع القاعدة. أما إرسال مندوبين فمسألة محفوفة بالمخاطر وأما الدراسة المستفيضة فقلت لك إننا ربما نستغني عنها باستقراء الأحداث.

فقلت: بامتعاض! يا أخي أنتم جماعة وتيار مسؤول ولستم بقالة أو مدرسة ابتدائية، الأحداث التي نسبت للقاعدة والتداعيات التي تلتها أحداث لا يجادل أحد أنها جسام، هل يستطيع أحد أن يزعم أنه يستطيع الحكم على القاعدة واستراتيجيتها ولم يتقدم بدراسة مستفيضة حتى للأحداث المنسوبة إليها وتداعياتها؟ دعني أكن أكثر وضوحا، هل أعددتم دراسات أو نظرات في أحداث سبتمبر وتداعياتها بشكل شمولي، بغض النظر عن القاعدة واستراتيجيتها؟ هل نشرتم بين كوادركم أو حتى للجمهور شيئا من ذلك؟ لم أطلع ولم أسمع عن دراسة من أمثالكم عن أحداث سبتمبر.

فقال محاولا الدفاع: نحن نتابع الأحداث عن كثب لكن الحقيقة أنه لا دراسة مستفيضة ولا دراسة غير مستفيضة، نحن نرصد مثل غيرنا ونقرأ الجرائد ونتابع الأخبار ولدينا تصور عام وكنا ولا نزال لا نعتقد أننا بحاجة لهذه الدراسة. التداعيات واضحة ولا تحتاج لبحث، قمع أمريكي وغطرسة، القضاء على دولة إسلامية فتية مثل طالبان، حشر أفراد القاعدة في أقفاص جوانتانامو، الحصار على العمل الإسلامي الخيري وقائمة كبيرة من الخسائر في المشروع الإسلامي.

فقلت: يهمني من كلامك نقطتان، أولا تقر بشكل واضح تماما أنكم لم تفكروا حتى بدراسة مستفيضة لأحداث سبتمبر وتداعياتها فضلا عن أن تدرسوا ظاهرة القاعدة. ثانيا أنكم تقبلون منهجيا أن تحكموا على الأمور دون دراسة منهجية. بالله عليك ألا تسألون أنفسكم وأنتم جماعات فيها عقليات كبيرة وأساتذة جامعات ومفكرين ومثقفين لماذا تقبلون لأنفسكم أن تحكموا على أمور عظيمة بانطباعات وآراء مجالس مثل كل الناس؟ ما فائدة الجماعة إذا؟ هل أعتبر هذا اعترافا منكم يضاف لاعترافك الأول أنكم ليس لديكم منهجية التعامل مع الأحداث على طريقة الدراسة والتأني في الحكم؟ رجاء تعطيني الإجابة بصراحة وأمانة كما أجبت في المرة الماضية ..

فقال: أعتقد أني كنت أمينا جدا معك في إجاباتي ولا داعي لتوصيني بهذه الطريقة، أنا أعترف أننا لا نتعامل بمنهجية الدراسة والمعلومات ولا الرصد الاستراتيجي. هذه ليس عندي إشكال أعترف لك بها وهي عيب معروف فينا لا ننكره. لكن هذا لا يجعل بن لادن والقاعدة على صواب بالضرورة. خذ مثلا مسألة بسيطة جدا، لماذا تفرد بن لادن بهذا القرار الكبير وهو مواجهة أمريكا؟

فقلت: حسنا خرجنا منك باعترافين مهمين: الأول قلت فيه أنكم ليس عندكم سياسة ولا برنامج سياسي واضح والآن تقول إنكم لا تعتمدون على الدراسات في تحديد مواقفكم. بصراحة سؤالك الأخير يعكس تماما هذا الاعتراف لديكم. لكن بغض النظر عن كون سؤالك يعكس اعترافك، ألا تلاحظ أن سؤالك عن تفرد بن لادن غريب وأنت تعترف بأن المسلمين ضعفاء ومتشرذمين وليس لهم كيان، بل وتعترف بأنكم أنتم الحركيون المنظمون ليس لديكم دراسات ولا منهجية في معرفة الأمور. إذا كان حال المسلمين بهذا السوء والضعف والتشرذم وانعدام التنظيم والمرجعية فمن هي الجهة التي يستشيرها بن لادن وما هو المبرر المنطقي أو الشرعي له أن يستشيرها؟ ثم كيف يستشير في عمل حساس وخطير كهذا دائرة واسعة مثل دوائر الجماعات الإسلامية التي لا تمسك سرا؟ وما هو الأساس الشرعي الذي تلزمه به أن يستشير؟

فرد موضحا: أنا لم أقصد أن يستشير الجماعات أو التيارات الحركية، أنا قصدت يستشير العلماء المعروفين والمفكرين الثقات. يصعب أن نقول إنه يجب شرعا أن يستشير لكن القضية منطقيا مقبولة. وغياب المرجعية صحيح لكن على الأقل يستأنس برأي من يوثق به و يمكن الوصول إليه من المشايخ والعلماء والمفكرين.

فقلت: حسنا يا أبا ياسر هذه المسألة من شقين لابد من توضيحهما، الأول: من هم أهل المشورة؟ والثاني: هل استشار بن لادن أم لم يستشر؟ إذا كنت تقصد بسؤالك مثلا لماذا لم يستشر بن لادن بعض الشيوخ المحددين في ذهنك مثل الشيخ سفر الحوالي أو الشيخ سلمان العودة فسأقول لك إن هذين الشيخين رغم جلال قدرهما في العلم إلا أنهما ليسا من أهل المشورة. قد تسألني لماذا؟ فأقول لك لأن الخلاف معهما في الأصل، وهو قضية الجهاد ذاتها فهؤلاء الشيوخ منذ بدء المشروع الجهادي كانوا ينصحون الشباب بعدم الذهاب إلى أفغانستان منذ أيام الجهاد ضد الروس فكيف تفترض من الشيخ أن يستشيرهما وأمثالهما وهم أصلا يرفضون المبدأ بالكلية ويقولون بتجميد أو تأجيل مشروع الجهاد. وأما الشق الثاني، فلماذا تفترض أنه لم يستشر؟ إن كان هذا هو المقصود فقد حصل والشيخ استشار فعلا من يمكن الوصول إليه ويوثق برأيه وعلمه. لكن حتى هذه لو لم يفعلها فليس عليه غبار ولا مأخذ إذا وضعنا في الاعتبار اعترافك بتشرذم العمل الإسلامي والحصار الأمني على العلماء والدعاة و اتفاقنا على غياب المرجعية. والشيخ من حرصه بادر باستشارة عدد من الموثوقين وعزم على العمل بناء على رأيهم وتأييدهم. ولظروف المصلحة وحماية هذه الأسماء لم يعلن الشيخ عنها ولا يتوقع منهم أنفسهم أن يعلنوا أن الشيخ استشارهم. وما دامت هذه السرية أمر متوقع فكيف تجزم بأن الشيخ لم يشاور، خاصة أنك وافقت أنك لا تطالبه بمشاورة الجماعات الإسلامية؟ وأضيف لاستكمال الصورة أن هذه الاستشارة من الشيخ لمن استطاع أن يصل إليه من العلماء والمفكرين هي إضافة لاعتماده الكامل على مشورة مجلس شورى القاعدة الذي فيه الكثير من الخبرات الشرعية والثقافية والفكرية والعسكرية.

ويبدو أن الجواب كان مفاجئا لأبي ياسر فقال متعجبا:

طيب كيف يشيرون عليه بمثل هذا الرأي وقد جر المسلمين إلى هذه المواجهة التي لم تجبني لحد الآن عن آثارها المدمرة؟

فقلت: سمعت منك قبل قليل إقرارا بأنكم تقيسون الأمور قياسا انطباعيا بلا دراسات ولا منهجية. ما دام حصل هذا الإقرار فهل توافقني أن قياس المكاسب والخسائر في عملية كبيرة مثل هذه يجب أن يبنى على تعامل منهجي؟ دعنا من عجزكم وفشلكم كجماعة من ذلك، أنت شخصيا علىلمستوى الشخصي هل خطر في بالك طريقة منهجية لتقويم مثل هذه العملية بمقياس تاريخي سياسي استراتيجي؟ ألا توافقني أن التقويم يحتاج إلى تكييف الواقع الإسلامي ونقاط ضعفه وقوته، تكييف حقيقة العدو وتحديده وتحديد نقاط ضعفه وقوته، دراسة طبيعة الحدث نفسه، وهل كان مجرد ضرب عمارات أو كان أعمق من ذلك؟ هل كان هناك مكاسب حاول الإعلام العربي والعالمي طمسها لكن لا يمكن إنكارها؟ أو إننا أصلا لا نستطيع إدراكها لأن مجال قياسنا مرتبط بنشاط العمل التنظيمي فقط؟ هل عدت إلى الوراء وحاولت أنت شخصيا دراسة ظاهرة القاعدة وماذا تريد بالضبط من ضرب أمريكا بهذه الطريقة وهل للقاعدة استراتيجية واضحة تقيم تصرفاتها على أساسها؟

ولأنه كان تحت الضغط دائما فقد قرر أبو ياسر الهجوم هذه المرة

فقال: لماذا نحاول أن نضخم القاعدة أكثر من اللازم بهذا الكلام الكبير؟ لماذا نفترض أن لديهم استراتيجية وأهداف واضحة وسياسات والخ؟ لماذا تطالبني شخصيا بكل ذلك حتى أستطيع أن أجيب على السؤال؟ المكاسب والخسائر في نظري واضحة، أنا عددت لك الخسائر الهائلة أعطني مكسبا واحدا؟

فقلت: ذكرت لك سابقا المكسب العظيم في إنهاء حالة السلم الزائف بين المسلمين والغرب وأضيف هنا أن الفرق بيني وبينك أني لست أسيرا للعمل التنظيمي الحركي التربوي الذي يحصر المكاسب والخسائر في قضايا محدودة جدا. قبل أن أبين لك استراتيجة القاعدة أجيبك ببساطة على قدر سؤالك، هل تمكنتم من ملاحظة هذه الصحوة الإسلامية الهائلة على مستوى العالم الإسلامي كله في قضية الهوية؟ ألم تلاحظ اعتداد المسلمين بهويتهم بسبب التحدي الأمريكي لهم واستهدافهم في إسمهم؟ هل تمكنتم من ملاحظة أثر تهاوي برجي التجارة أمام شاشات التلفاز وتكرار ذلك عشرات المرات على هيبة أمريكا؟ هل تمكنتم من ملاحظة أن المسلمين أدركوا أن بإمكانهم بدون سلاح متقدم ولا قنابل ذرية أن يفعلوا الأفاعيل في خصمهم فقط بالإيمان وحسن التخطيط والإتقان في العمل؟ هل تمكنتم من ملاحظة تصاعد رمزية القاعدة وبن لادن في أذهان كل المسلمين وتحولهم لند حقيقي للولايات المتحدة؟ هل خطر في بالكم أن الذي تطور في عمله من الصومال وعدن إلى الرياض والخبر إلى كينيا وتنزانيا إلى ضرب المدمرة كول إلى أحداث سبتمبر حتما لديه خطوة قادمة متصاعدة مثل تصاعد هذه الخطوات؟ هل رأيتم مدى جاهزية أعداد كبيرة من المسلمين لمواجهة أمريكا والاستشهاد في معركة معها؟ هل رأيتم كيفية شعور المسلمين بأنهم لم يعودوا عاجزين أمام ما حصل في فلسطين وأن أمريكا تستحق ضربة ثانية من بن لادن؟ هل أدركتم أن المسلم صار بإمكانه أن يفكر بأن أمريكا دولة عاجزة لم تستطع منع أحداث سبتمبر ولم تتمكن لحد الآن من ضمان منع ضربة أخرى وأنها لا تزال تعيش رعب"جاك الذيب جاك أخيّه"؟ وأنهم الآن مخيرين بين (جدع وخصاء) !

فقال أبو ياسر: هذا الكلام الذي تقوله ربما يكون صحيحا لكنه عام يصعب قياسه وتحديده كمكسب محدد، وبإمكان كل زاعم أن يزعمه.

فقلت: أما كونه عام ويصعب قياسه وتحديده فكلام صحيح وغير صحيح، صحيح من جهة أن هذه الأمور لا يمكن قياسها بعدد أو بكتلة أو برقم أو بحجم على كل حال، وغير صحيح من جهة عدم إمكان تقدير هذا التحول مطلقا، لأن التحولات التي أشرت إليها كلها يمكن تقديرها ولا يجادل في حصولها في المجتمعات الإسلامية إلا مكابر. حتى الصحف الغربية أكدت حصول هذه الأمور بل إن هناك من عمل دراسات وإحصائيات اقتربت من تحديدها رقميا.

فقال أبو ياسر: حسنا بغض النظر عن هذه الأمور التي يصعب قياسها كيف تريد أن تضع هذه المكاسب أو الإنجازات المزعومة في سياق استراتيجية القاعدة إن كان هناك فعلا استراتيجية للقاعدة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت