وعلى ضوء القاعدة السابقة قد يتبادر إلى الذهن ابتداء أن ابن عاشور قد خالف القاعدة السابقة في حكمه على الآية بالنسخ، وهو قد نص على أن الأصل عدم النسخ مالم يرد دليل صحيح صريح على خلاف ذلك، لا سيما وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أنها محكمة ولكن الأمر ليس كذلك؛ فقد ساق ابن عاشور بعد أن ذكر أن الآية منسوخة الأدلة التي يراها ناسخة, منها قوله:"ففي البخاري في تفسير سورة النساء عن جابر بن عبد الله قال: عادني النبي وأبو بكر في بني سَلِمَة ماشِيْين فوجدني النبي لا أعقل فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليَّ فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أَصنع في مالي يا رسول الله فنزلت: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [1] الآية اهـ [2] ."
وممن وافق ابن عاشور في اختياره فيمن سبقه من المفسرين ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي [3] .
ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة، وكذلك الرازي [4] , ولم يتطرق القاسمي، ولا الشنقيطي لهذا الخلاف ولا بإشارة.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب يوصيكم الله في أولادكم، ج 4، ص 1669، ح-4301.
(2) التحرير والتنوير، ج 2، ص 149.
(3) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 248، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 266، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 2، ص 21، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 2، ص 168، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 178، وروح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 451.
(4) انظر جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 146، والتفسير الكبير / الرازي، ج 2، ص 234.