الظاهر برقوق من وفور الحرمة ونفوذ الكلمة ما لم ينله غيره من أبناء جنسه. وطالت أيامه في السعادة وكثرت مماليكه، حتى بلغت عدة من في خدمته من المماليك قريبًا من الألف، وكان رأس نوبته أمير عشرة، وسلك في أتابكيته طريق السلف من أكابر الأمراء في نوع الأسمطة الهائلة، والحشم، والخدم، والإنعام على الناس، والعيشة الطيبة، هذا مع قلة الظلم والطمع ومع الميل إلى فضل الخير، والكرم.
وكان ذا شيبة نيرة، كمث اللحية، مدور الوجه، أقنى الأنف، أحمر اللون، جميلًا، للقصر أقرب. وكان في الغالب لا يلبس على رأسه إلا قبعًا سلطانيًا أبيض صيفًا وشتاءً، ولا يلف على رأسه تخفيفة إلا نادرًا جدًا. وكان حسن الخلق، حلو المحاضرة سليم الباطن، قليل الشر، وهو آخر عظماء الأمراء بالديار المصرية إلى يومنا هذا.
ولما صار والدي أتابك العساكر بالديار المصرية في الدولة الناصرية فرج، كلمه بعض الناس في أن يسير على طريقة أيتمش المذكور، فقال والدي: هيهات ما نحن من خيل هذا الميدان. وكان سماط والدي ورواتبه في اليوم من اللحم ألف رطل، وبخدمته أربعمائة مملوك. انتهى.