في بطني. . . لدق أفلت منهم فتلقتني براثن الموت، وكدت أن أسلم الروح لولا أو توليتني بعنايتك فآسيت جراحي وآويتني في هذا الكوخ. . . لقد كنت متعمدًا قتلك فأنقذت حياتي. . . جزيت خير الجزاء. . . والآن لو امتد بي الأجل فوف أقوم على خدمتك - إن رضيت - عامر القلب بالإخلاص لك كعبد من عبيدك الأوفياء. . . وكذلك أبنائي وأهل بيتي فقد قيدت عنق ربهم بمعروف لن ينساه فأسألك أن تعفو عني وتغفر لي!) فاستخف الملك الفرح والبشر وطربت نفسه وطاب قلبه بما رأى من السلم والوفاق الذي عقده مع عدوه في بساطة وهدوء فكسبه صديقًا وفيًا. فلم يعف عنه فحسب بل أخبره بأنه سوف يبعث إليه بخيرة أطبائه وخدمه ليقوموا على العناية به ووعده بأن يرد عليه ماله المسلوب ويعيد إليه ملكه المغصوب.
غادر الملك صاحبه الجريح وأخذ يتلفت في ساحة الكوخ باحثًا بعينه عن الناسك ليرجوه من جديد أن يجيبه على أسئلته. فألفاه جاثيًا على ركبته يغرس الحب في النقر التي احتفرها البارحة فدنا منه ودعاه قائلًا: (إني أرجوك لآخر مرة أن تجيبني على ما سألتك إياه. . . أيها الحكيم الجليل) . . . فأجابه الناسك وهو ما يزال جاثيًا على ساقيه الرقيقتين (لقد أجبت على ما تود!!) فتساءل الملك في دهش وعجب (كيف أجبت!؟ وما الذي تعنيه) فرفع إليه الناسك رأسه وعللا ثغره ابتسامة، وقال في صوت شاع في الهدوء والرزانة: (ألم تر أنك لو لم تترفق بي وترحم ضعفي بالأمس ولم تهيئ لي هذه الحفيرات بل انطلقت في سبيلك لهاجمك ذلك الرجل وبلغ منك مقتلًا. . . وحينئذ كنت تقعد نادمًا تأكل قلبك الحسرة وتتمنى لو أنك مكثت لا تبرحني. إن خير وقت كان في ذلك الحين الذي كنت تحتفر فيه الأرض. . . وكنت أنا أولى الناس باهتمامك ورعايتك. . . وكان أفضل عمل أديته هو الإحسان إلى. .! وبعد حين أتانا ذلك الرجل يسعى راكضًا. . . فكان أدق وقت هو ذلك الذي توليته فيه بعنايتك وحدبك. . . إذ لو إنك رغبت عن معونته لقضى دون أن تحظى منه بسلام وحمد ولذا كان هو أجدر الناس وأحقهم بالاهتمام والعطف وكان ما أديته له من معروف من أروع أعمالك وأجمل فعالك. فأعلم إذن لأن ليس ثم إلا وقت واحد يستحق منك الاهتمام ذلك هو(الآن) الذي تكون فيه. . . فهو الآونة الوحيدة التي تتملك فيها قوتك وقدرتك، وأحق الناس بأن تعنى به هو من يكون معك فأنت لا تدري إذا كنت