مصلح في غير دعوى مصل ... ونبي لم يكلفنا امتثالا. . .!
ولعل من كمال الجو الموسيقي الذي أحاط بالقصيدة من كافة جوانبها أن أختارها الشاعر من هذا البحر الغنائي المرقص (الرمل) . . .
وهو وإن يكن قد اضطر في القليل جدًا من أبياته إلى ضرورات كنا نود لو تنزه عنها مثل قوله:
جئت والنهضة فينا طفلة ... بعدُ. . . لم تبلغ فطامًا أو فصالا
والفطام والفصال بمعنى، ومثل قوله يصف الشاعر (وبماذا تتحامى شره؟) . فإن هذه العبارة فوق مجافاتها للغة الشعر وللغة هذه القصيدة خاصة، فإن الشاعر ملاك رحيم، وليس بالشيطان الرجيم! وليس وراء الشعراء هذا الشر المستطير، وهذا الويل الكبير الذي يتهيبه الناس ويتقونه ويلتمسون الوسائل للنجاة منه! وصدق الذي قاله: (أنتم الناس أيها الشعراء) . إلا أن هذه هنات هينات جدًا لا تضيره في شيء. ولا تنقص قليلًا من قصيدته الرائعة التي نباركها عليه، ونشد على يديه مهنئين طالبين ألا يسكت - ما وسعه الجهد وواتته الظروف - عن الإنشاد، وألا يسلم إلى الصمت القياد، وسبحان من له الكمال وحده. . .
وكانت ثالثة القصائد لشاعرنا الأستاذ محمد الأسمر، وقد وجدت شيئًا بنفسي يرجع بي وأنا أقرأها إلى الوراء لم أتبينه للوهلة الأولى، غير أنه أخذ يدفعني دفعًا قويًا شديدًا إلى الوراء كلما أمعنت في قراءتها حتى وجدتني أردد معلقة عنترة العبسي:
هل غادر الشعراء من متردّم ... أم هل عرفت الدار بعدتوهم؟؟
ولكنني ما كدت أهتدي إلى هذه المعلقة حتى أوغلت في قراءاتها وتركت قصيدة الأسمر؛ ومن وجد البحر استقل السواقيا!
أراد الأسمر أن يقلد القدامى، فنظر وأطال النظر في هذه المعلقة، ووقف وأطال الوقوف عندها، عله يقول كلامًا فيه منها مشابه وملامح، ولكنه عاد من النظر والوقوف يظل باهت، وصدى خافت.
على أن ألفاظه كنت بعيدة عن جرس الشعر وما ينبغي له من تخيرو انتقاء واصطفاء، وهل من الشعر قوله:
قدمتهم نحو العلا فتقدموا ... والفضل فضل مقدم المقدم!