منه السيادة عن نفس عبد، وأظهر السلطان منه طبع سوقة، فاستبد بأخته واستأثر بالخير من دونها، وجعل هاني خادم الإسطبل، وسائس الخيل، يمسك له فرسه، وينحني له ليضع نعله الدنسة على كتفه ليركب، ويعدو معه في ركابه، ويذيقه ألوان الذل، ويتعمد أن يحمله صنوف الأذى، وهو صابر من أجل حبّه، وهي ترى هذا فيقطع نفسها حسرات، ويمزق فؤادها أن ترى حبيبها و (ملكها) ذليلا ممتهنًا، ولا تدري ما اللذة ولا تعرف طعم الحياة إلا إذا غاب الأخ، فهرعت إلى الصخرة تسبقه أو يسبقها إليها، فألقت بنفسها بين ذراعين، ما تبالي حطة منزلته ولا وساخة بزّته، لقد كانت هذه الصخرة ملاذهما، وعش هواهما، يستندان إليها، فإذا الصخرة التي كانت صمّاء خرساء، قد عاشت بالحب، وعدتها حياته الخالدة، فصارت قلبًا كبيرًا أحنى من قلوب الأمهات، ولسانًا أحلى من ألسنة العشاق، وعز كل شيء حواليها وغلا، فالشمس عندها أضوء في عينهما من شمس القصر، والليل أعذب، والورد أعطر، والثلج أطهر، وكان يحسّ وهو معانقها أن هذه السفوح، وهذه الإحراج المطيفة بالقرى، وهذه السواقي المنبثقة من الإحراج، وهذه الذرى العالية، وهذه الحدود المتتالية وهذا البحر العظيم الذي يمتد حتى يصعد إلى السماء أو تنزل هي إليه، فيكون البحر سماء والسماء ماء - كل ذلك ملك له وحدهّ!
ويشعر بالقوة قد ملأت نفسه حتى كادت تنفجّر نشاطًا واندفاعًا، وبالعاطفة يكاد يتمزق من طغيانها قلبه، وأنه لم يعد السكون والانطواء على نفسه بعدما حركة الحب؛ فهو يريد أن يصنع المعجزات، أن يزيح الجبال، أن يكون قائدًا فيفتح بحبها الأرض، أن يكون شاعرًا فيملأ بتقديسها الأسماع، أن يكون كاتبًا فيخلدها بروائع الآداب: بكل مقالة هي أعظم من قلعة يشيدها الملك، وأمتن منها بناء، وأعلى، وأبقى على وجه الدهر، تتخرب القلاع وهي باقية، وتنسى أسماء الملوك، وأسماء قائليها درر في صحائف التاريخ، وجمال للماضي. . .
وتنالها من خمرة الحب مثل نشوته، وتغيب معه في سكرة الغرام، فتهمس وشفتاها على خده:
-هل في الدنيا أسعد منا يا هاني؟ هل في الوجود متعة أعظم مما نحن فيه؟
-فيقول: نحن الوجود يا ليلى، نحن المحبة والمحبة سرّ الوجود. هذه الصخرة مارست هنا