يزال يغمر الكثيرين من ناشئة اليوم ورجال الغد، فيقضي على مواهبهم البيانية - أو يكاد - في زمن حداثتهم. ولنعد لهم بيانًا عربيًا خالصًا يطبع الطفل على الفصحى منذ طفولته الباكرة، حتى إذا كبرت سنه صارت له الفصحى - كما كانت لغيره من أسلافه العرب في عصور الفتوة الأولى - سليقة وطبعًا، وأصبح البيان العربي متأصلًا في نفسه عادة وملكة. وبرئ من العجمة المتفشية بين شباب العصر وفتيانه.
أما السبيل إلى هذا الحلم الجميل، فتحقيقها ميسور غير مستحيل.
إننا إذا رقابنا كلام الطفل وهو في مستهل طفولته، رأيناه يلجأ - كما قلت في بعض المناسبات منذ عشرين عامًا - إلى تكرار الجمل إذا قص علينا خبرًا، كأنما يتثبت من معانيها في ألفاظها المكررة. فلماذا لا نكتب له وهو في هذه السن محاكين أسلوبه الطبيعي في تكرار الجمل والألفاظ لتثبت المعاني في ذهنه تثبيتًا؟ ولماذا لا نكرر له الجمل برشاقة ليسهل عليه قراءتها! ذلك أجدر بنا وأليق فإن لكل مقام مقالًا.
ومن الحقائق المعروفة أن الطفل - في هذه المرحلة - ملول يتهيب الكتاب، فلننزع من نفسه هذا الملل، ولنحبب إليه الكتاب بكل وسيلة، ولنبسط له الأسلوب تبسيطًا مكثرين من الصور الجذابة الشائقة التي تسترعي انتباهه، لنشعره أن الكتاب تحفة تهدي إليه إهداء، وليس واجبًا يكلفه تكليفًا. فإن الطفل - إذا ساء ظنه بالكتاب - صعب اجتذابه إليه بعد هذا.
وقد وفق أكثر من تصدوا لتأليف كتب الأطفال توفيقًا عجيبًا في تبغيض القراءة إلى نفوسهم وتنفيرهم من المطالعة، فأصبحوا يمقتون الكتاب أشد المقت، ويهربون من قراءته، لأن المؤلفين لم يراعوا سن الطفل وميوله ورغباته. ولم ينزلوا أو هم - على الحقيقة - عجزوا عن النزول إلى مستواه، ومخاطبته باللغة التي يفهمها وترتاح إليها نفسه. ومن الإنصاف أن نقرر - بصراحة - أنهم لم يضعوا كتبهم على نسق خاص أو منهج بعينه، وأنهم في تأليفهم لم يتشبعوا بفكرة فنية تنتظم الكتاب وتؤلف بين أجزائه. لأنهم يقنعون بتصيد موضوعات الكتاب - كيفما اتفق لهم أن يتصيدوها - فيخرج الكتاب خليطًا مضطربًا لا تؤلف بين أجزائه فكرة بعينها ولا يتناسب أسلوبه مع مدارك الأطفال.
إن الطفل ميال بطبعه - إلى الحكايات والقصص، وهو - بغريزته - مفتون برؤية الصور الجذابة فلنختر له منها ما يناسب سنه، ويتفق وميوله ورغباته وتفكيره. أما الفكرة التي