فاستثار قول الرجل غضب إسحاق فقال له:
-أمسك عليك لسانك أيها الرجل واجعل لهذا الهذيان حدًا
-أينا يهذي يا هذا؟ بحق (فجوف) - إله روماني - لم يصادفني من هو أكثر قحة منك.
سر في طريقك يا صاح ولا تستثرني بأكثر مما فعلت، فلولا أن ديني قد أوصى بابن السبيل خيرًا لكان لي معك شأن آخر ولقطعت لسانك الذي تلفظ بهذا الهراء.
-يا لك من نذل جبان، أتتجاسر إلى هذا الحد أيها الصعلوك العربي؟ إن كان يجري في دمك نخوة الرجال فترجل عن فرسك لأريك أينا يقطع لسان الآخر!!
-لا تفه بأكثر من هذا، وانتظرني ليصفي كل منا حسابه مع صاحبه. . . ثم شرع في النزول عن ظهر الجواد، لكن الخائن لم يمهله حتى تستقر رجلاه على الأرض، فقد سدد إليه سهمًا طائشًا نفذ إلى صدره، وأصاب منه مقتلًا فخر صريعًا تنزف منه الدماء غزيرة، وهكذا مات إسحاق في ميعة الصبا، وريعان الشباب.
بهت القاتل وتسمرت رجلاه في الأرض، فلم يكن في حسابه أن يموت غريمه هذه الميتة الوحيّة، ولم يعد للأمر عدته. فتملكته الحيرة واستبد به الارتباك ولم يدر ماذا يفعل لينجو بنفسه. وبينما هو في حاله تلك يتلفت ذات اليمين وذات اليسار إذ أقبل من بعيد خادم إسحاق، وكان قد تأخر عنه قليلًا، فلما رآه القاتل يجري نحوه، أيقن أنه إن أدركه فسيقضي عليه لا محالة فأطلق ساقيه للريح وأسرع إلى المدينة. . .
كانت الشمس قد توارت بالحجاب. وكان الظلام يتكاثف رويدًا رويدًا، حين كان الشيخ إدريس قد بدأ يساوره القلق لتأخر إسحاق في العودة بما لم يسبق له من قبل وهو يعلم أن هذه الليلة بالذات يجب أن يبكر فيها ليشترك مع أبيه في استقبال الضيوف. ولما استبد به الانتظار وقارب وقت المغرب أن ينتهي طلب إلى خادمه أن يعد له الماء في الحديقة ليتوضأ. ثم خرج إلى باب الحديقة ونظر هنا وهناك لعله قادم من بعيد ولكنه رجع كئيبًا كاسف البال. ومع ذلك لم يدر بخلده أن ابنه في هذه اللحظة يسبح في بحر من الدماء عند مقابر الخلفاء في سفح الجبل فلما أخذ مكانه ليتوضأ قال له خادمه:
-ستؤدي الصلاة هنا أم في المسجد يا سيدي؟
فأجابه الشيخ الكبير: