وإني أطالع أحيانًا ما يكتبه الكاتبون والأدباء، وخاصة في الأدب الوجداني، فأرى في آثارهم صدق الإحساس وحرارة التعبير وشبوب العاطفة، وهذه هي صفات الأدب الصادر في صدقه وحرارته وشبوبه عن وجدان حساس تهزه العاطفة فينتفض وتمسه الأزمة فيرتعش. وأطالع أحيانًا أخرى آثار بعض الأحباء الآخرين فأرى التكلف فيها واضحًا والاجترار ملموسًا والصنعة ظاهرة وهذه هي صفات أدب التصنع الذي لا يثير في النفس إحساسًا ولا يحرك عاطفة ولا يعالج عقدة، وذلك لأنهم يكتبون كتابة آلية لا تدعوهم إليها دواعي الوجدان أو تثيرهم إحدى الأزمات النفسية فتلهب عواطفهم وتحرك قلوبهم.
وإني امرؤ أقرأ الأدب بقلبي وعاطفتي وأحكم على صدقه بما يثيره في نفسي من اهتزازات وأحاسيس تجعلني أشارك كاتبه في الشعور والإحساس رغمًا عني لأنه صادر عن قلب حساس يتألم أو ينتشي، ويصور بصدق ما ينتفض في القلب من اختلاجات وما يجول في الذهن من أماني وآراء. أما الأدب الكاذب فهو الذي لا يثير أدنى شعور ولا يحرك خلجة فؤاد لأنه صادر عن عقل جامد صدئ يتصنع الشعور ويتكلف الإحساس.
إن القلب يجب أن يحيا في كل ما يكتبه الكاتب والأديب وإلا جاء إنتاجه ممسوخًا وخاليًا من كل شعور أو إحساس، لأنه يكتشف بذلك عوالم مليئة بالجمال حافة بالمتع والمباهج. حتى الألم عنده له لذة غريبة تكسب أدبه جمالًا فنيًا رائعًا كجمال تماثيل الفواجع الخالدة. وعندها يكون تفكيره وإنتاجه صادقاُ ينقل الصور ويسجل الحوادث ويزيد في ذخيرة الأدب لونًا يكسبه الخلود. . .
لذلك يجب على الأديب الحق الذي يحاول أن يكون في أدبه خالقًا وفي آرائه مبدعًا وفي تفكيره ناضجًا، أن تكون هناك صلة وثيقة دائمة بين عقله وقلبه وقلمه وبما يفكر ويكتب ويصور، لن جميع الأعمال الأدبية والفنية لا يكتب لها الخلود إلا إذا كانت صادرة من قلب ينبض وعقل ينظم وقلم يكتب ويصور.
أما هؤلاء الذين نراهم، في كل يوم، يسودون الورق بهزيل الأفكار وتنميق الألفاظ وبهرجة العبارات بدون أن يكون لإنتاجهم صدى يبعث فينا الروعة التي نشعر بها أو نحسها عندما نطالع أثرًا أدبيًا أو نرى عملا فنيًا اشترك فيه القلب العقل. أما هؤلاء فسيظلون على الهامش وستذهب كتاباتهم مع الريح.