القصد، وإفراطًا تعدى الحد، فإما اعتدلت من تلقاء نفسك، وإما قومتك بطريقة لا ترضيك).
وأخذتك العزة بالإثم أن جاءك كتاب من أبيك يتهمك بأمر، وخشيت أن يقبض يده فيبدو عجزك أمام الوسيط المحتال وله عندك حاجات ما تنتهي؛ فما تنفس الصبح حتى كنت قد أرسلت إلى أبيك خطابًا تقول فيه: (أبي، آلان، وقد بلغت مبلغ الرجال، أرجو أن تحدد لي ميراثي من أمي تحديدًا لا يدع مجالًا للشك، وأن تنزل لي عنه أشرف عليه بنفسي وأستغله لصالحي. وأظنك لن تجد في ذلك غضاضة على نفسك، فهذا الميراث بين يديك منذ نيف وعشرين سنة، أنال منك فضلة لا تشفي غلة ولا تنفع صدى على حين أن غيري يرتع فيه كيف يشاء، ينعم بغلاته، ويتقلب في نعمائه. وهذا ظلم لن أقيم عليه بعد اليوم. . . لهذا فأنا في انتظار يوم قريب تسميه لي لأستلم أرضي كلها. . .)
لا ريب - يا بني - فلقد كانت كلماتك جافة قاسية أصابت هدفًا من قلب أبيك، فأحس بالأسى ينسرب إلى نفسه أن رأى أبنه الأكبر يغلظ له في الحديث، ويسف في العبارة، ويجازي النعمة بالكفران، ويقابل الإحسان بالعقوق!
لقد كانت كلماتك تتلضى لهيبًا يكوي قلب أبيك ويفري كبده، وشعر - والحزن يوشك أن يقتله - أنه يريد أن يفضي بذات قلبه إلى رجل من خلصائه، وخشى - بادئ ذي بدء - أن يتحدث بأمر خطابك إلى واحد من الناس فتكون أنت عاره إلى الأبد، فعزم على أن يطوي عن الناس خلجات قلبه، ولكنه ناء بأن يحمل العبء وحده بعد أن رزح تحته أيام، فجلس إلى أخيه - عمك أنت ينشر خطابك وفي عينيه عبرات، وفي قلبه هم!
وانزعج عمك لما قرأ، وشمله الوجوم والبث، فما تلبث حتى كان إلى جانبك يستوضح الأمر!
وضل عقلك الفج، وانحط منطقك الوضيع، فخيل إليك أن عمك جاءك يستجدي مالك وتراءت الحياة أمامك أعدادًا من الجنيه والعشرة والمائة، فأخذت تدفع حجج عمك وبراهينه في ضلال وقحة وأنت تقول: (أما أبي فأنا لا أنكر فضله فهو قد دفعني عن القرية صغيرًا لألمس لذع الغربة، ومرارة الوحدة، وقسوة الحياة، وقذف بي بين ناب الخادم، وظفر صاحب الدار التي أسكنها، ثم هو يرسل إلي الطعام والمال، فلا أجد ريح الطعام، ولا ألمس لذة المال، فعشت ضائعًا جائعًا، والخادم وصاحب الدار يستمتعان معًا بالمال والطعام، وأبي