إلى بلاغة الحجاج وفصاحته، أو أنه التزم لغة المسرح في السهولة والبساطة؟
يخيل إليَ أن الأستاذ قد تأثر كثيرًا بما قرأ من خطب الحجاج وسيرته وأعماله وأحاديثه، وأن بعض تأثره قد تبخر يوم صور أفكاره بالقلم، وأن صديقه وصديقنا الأستاذ زكي طليمات قد أخذ بتلابيبه برده عن الحجاج ويلح عليه في وجوب التزام مستوى الجماهير، فالحجاج الذي سمعناه يتكلم على المسرح، لم يكن بليغًا بل كان فصيحًا، طلق اللسان، واضح البيان، حاضر البديهة، سريع الخاطر، قوي الحجة، صادق الحكم، لا يعلو كثيرًا في التفكير، وفي التعبير، وفي المصطلحات اللفظية، وفي تركيب الجمل، وفي التشبيه والاستعارة والاقتباس عن مستوى الطبقة المتعلمة لا الطبقة المثقفة.
لقد استطاع الأستاذ تيمور أن يرينا صورًا حية لحرص الحجاج على النظام، وعلى (تحيزه) الشدة الصارمة المفطور عليها، وعلى دغدغته رغبة الشدة الأصيلة فيه بافتعال المتناقضات إذ كان يطعم الجائع لا عن جود وكرم بل عن دعابة نفسية فيه تلزم الآكل أن يأكل عددًا من الصحاف إن قصر في ازدرادها عالجه يسف الجلاد، ومن بارع صور شدة الحجاج وحرصه على اللغة طرده المقرئ الذي غلط فلحن فكان جزاءه السجن لا يفرج عنه حتى يستوفي من حظه حفظ القرآن، أما قوة الإرادة وعدم الانصياع لآمر والنفور من كلمة تعني الأمر فقد كانت تغضبه وتثيره إلى حد أنه كان ينفض ثيابه ويديه منها كأنها علقت بها، وكان لا يطيع أمر الطبيب ويعصاه ويأبى تناول الدواء لأنه فرض مفروض، وقد أجاد الأستاذ تيمور في إبراز هذه الصور واضحة نقية.
بقيت مسألة أقف منها موقف المعجب بها والمستريب بصمتها وهي هل كان الحجاج منهمًا شهوانيًا، وهل حكاية تعلقه بالفتاة (الأهوازية) وكلفه بها، ولجاجته بالشكوى منها، وافتقادها إذا هجرته وعادته، والسؤال عنها لتكون قريبة دائمًا منه، وكان يرتاح لخصامها؟
ليس بمستنكر أن تكون (رأس الحكمة إشباع المعدة) عند رجل عبقري كالحجاج، وليس بمستبعد أن يكون شرها في مناوحة المرأة، ولا بمستغرب أن يكلف بامرأة مفطورة على اللدد محبة للعظمة والكبرياء، موغلة في العناد، مشغولة بالاستعلاء بشخصيتها لتنحدر في إظهار أنوثتها وهي مقهورة. إن خصلة اللدد وحدها كافية لأن تجعل الحجاج الجبار، العنيد، المشاكس المقاتل الذي لا يرحم، يكلف بهذه القطة الأهوازية يهارشها فتخمشه وتدميه،