مبادئهم
أما تعاليم سقراط وإن بدت ثانوية في نظر مفكري فإنها لم تكن مجهولة لديهم. وقد أختص الشهرستاني بإيراد أكبر قدر منها في كتابة الملل والنحل. فهو يعرضأولًاآراء سقراط الدينية والميتافيزيقية، مبينًا ما قاله في صفات الباري وذاته ومفيضًا في ذلك بدرجة محسوسة. ثم يجاوز هذا إلى الكلام عن مذهب سقراط في المبادئ والعلل، وفي أزلية النفوس الإنسانية ووجودها السابق لوجود الأبدان. وهذه الآراء المنسوبة إلى سقراط قد جاءت بنصها على لسان أفلاطون؛ على أن العرب أنفسهم لم يستقوها إلا من مؤلفات الأخير. وهنا تعترضنا مشكلة تاريخية مشهورة، ألا وهي أنا إن سلمنا بأن كل ما رواه أفلاطون باسم أستاذه من عمل الثاني لم يبقي للأول شيء وعلى العكس من ذلك إن كانت مؤلفات التلميذ تترجم عن رأيه الخاص فإنا لا نكاد نجد لسقراط نظرية مستقلة؛ وقد كنا نأمل أن نحل هذه العقدة التي حار فيها المؤرخون المعاصرون على ضوء المصادر الإسلامية، فلم نظفر فيها بما ينقع الغلة. وفي رأينا إن سقراط لم يعن بتكوين نظريات فلسفية مفصلة، وكل مهمته أنه أشار إلى أفكار عامة تولاها أفلاطون من بعده بالدرس والتحليل
بيد إن لسقراط عمل آخر شخصيًا لا ينكره عليه أحد؛ وهو طريقته الجدلية المبنية على الاستنباط والتشكيك. بهذه الطريقة أشتهر، وبها تمكن من قهر جماعة السوفسطائيين وبواسطتها أصلح كثيرًا من الأخطاء الشائعة، ومهد السبيل لتكوين الأفكار العامة. وقد وصلت هذه الطريقة إلى العرب - كما وصلت إلى المحدثين - في ثنايا كتب أرسطو وأفلاطون؛ ولفلاسفة الإسلام في شرحها ومناقشتها أبحاث مختلفة؛ فسقراط المثل الأعلى في التضحية، وسقراط الباحث النظري، وسقراط المناظر القوي الحجة قد وجد في العالم العربي أتباعًا وتلاميذ، بل أنصارًا ومحبذين
إبراهيم بيومي مدكور
دكتوراه في الآداب والفلسفة