وعليه جلال، وهي منثورة نثرًا، تفصل ما بينها مضايق وطرق صخرية ملتوية متشابهة، حار فيها الدليل؛ وكان معهم دليل حاذق شيطان من شياطين العرب، يقال له محمد الأعرج من مشايخ بني عطية، وهو أعرج طويل له عينا ذئب، حاد الذكاء، ضيق الصدر، مخيف كانوا يتهيبون سؤاله، فداروا في هذه المسالك حتى نفد منهم الصبر، وأدركهم اليأس، فصعد الدليل قنة أكمة، فنظر يمينًا، ونظر شمالًا، ثم صاح: لا إله إلا الله، وتلك عادتهم: إذا أبصروا واديًا، أو رأوا سهلًا، أو طلع عليهم جبل، تشهدوا. . . ثم نزل يظلع وقادهم في طريق ملتوية حتى جاوز بهم المطلع، وأشرف بهم على السهل الفسيح. وكان عليهم أن يهبطوا السهل ليخترقوا جبل الأقرع وهو قبالتهم، فنظروا فلم يجدوا مهبطا، وكانوا على رأس جدار قائم من الصخر، ارتفاعه أكثر من أربعين مترًا، والنزول منه خطر محقق، ولكن الرجوع موت أكيد، وإذا هم رجعوا وضلوا أيامًا نفذ فيها ما معهم من ماء، فهلكوا لا محالة عطشًا، فاستخاروا الله ونزلوا نزولًا ما نظن سيارة نزلته مذ خلق الله السيارات: تتدحرج من تحتهم الحجارة إلى قرارة المنحدر، فيكون لها قرقعة مخيفة، والسيارة كأنما هي من الانحدار قائمة على مقدمها، والركاب شاخصة أبصارهم، ينظرون عن أيمانهم وعن شمائلهم، لا يدرون من أين يأتيهم الموت وقد تابوا واستنفروا، واستودعوا اللهأولًا دهم وأموالهم.
ومرت عليهم ربع ساعة أهون منها رباط سنة في جبهة الحرب، ثم وفق الله فبلغوا السهل، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله. . . ويهبون كمن حلم مروع!
وكانت الشمس قد غابت، والليل قد ارتفع، فنزلوا للمبيت يستعدون لوادي الأقرع، وكانوا على رغم ما لقوا يسمعون من الدليل أنه هين بجنب خور حمار، وان العناء والبلاء إنما هما في خور حمار، فكانوا يرون خور الحمار هذا في أحلامهم، ويبصرونه فاتحًا فاه لابتلاعهم، ويرون حيال رأسه حجرًا مكتوبًا فيه: هنا مات الوفد الأول الذي ذهب لفتح طريق السيارات. . .
وتلقوا من الغد وادي الأقرع، فلما ولجوه ذكروا بالخير جبال المطلع، ووجدوها حيال نار الأقرع جنة النعيم، والوادي عريض فسيح ولكنه وعر، كله صخور عظيمة، ورمال خطرة، إذا نجت السيارة من رملة صدمتها صخرة، وان خلصت من الصخر غاصت في الرمل،