فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17067 من 30278

(1) ظ: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن: 1>33.

(2) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 1>36.

إليه جمع من الأعلام كما رأيت حتى لقد أورده ابن الزملكاني (ت: 651 هـ) واعتبر هذه الحروف كالمهيجة لمن يسمعها من الفصحاء، والموقظة للهمم الراقدة من البلغاء (1) .

ويعضد هذا الرأي أمران:

الأول: أن هذه الحروف الهجائية في فواتح السور القرآنية طالما ورد بعدها ذكر القرآن أو الكتاب معظمًا مفخمًا، يتلوه الدليل على إعجازه، والحديث عن الانتصار له، والإشارة إلى تحديه العالم والأمم والشعوب والقبائل، مما يؤيد حكمة هذه الأصوات لبيان إعجازه وكماله، وحسن نظمه وتأليفه، وسر بقائه وخلوده، كونه نازلًا من الله، مستقرًا في هذا المصحف الشريف، دون تصحيف أو تحريف، أو زيادة أو نقصان، ريادة في دوامه، وتعهدًا بحفظه وسلامته، بما أكده الله تعالى: (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون) (2) .

الثاني: أن المتتبع لأسباب النزول، والأحداث التي رافقت قرع الأسماع بهذه الأصوات، يجد الإيذان بها قد تقاطر سيله بأشد الظروف قسوة على الرسالة الإسلامية، فكان التحدي قائمًا على أشدّه بمثل هذه الأصوات المدوّية في الآفاق.

فما كان منها في السور المكية، وهي الحقبة التي واجهت بها الرسالة عنفًا وغطرسة وتكذيبًا، فقد جاءت فيه هذه الحروف ردًا مفحمًا في التحدي الصارخ، والدليل الناصع على صدق المعجزة.

وما كان منها في السور المدينة، فقد جاء تحديًا لأهل الكتاب فيما نصبوه من عداء للدين الجديد، وإنذارًا للمنافقين فيما كادوا به محمدًا والذين معه.

إلا أن الملحظ الصوتي الذي نقف عنده للدلالة على التنبيه على صوتية هذه الحروف، مع كونها إشارات إعجازية في بعض حكمها، الملحظ هذا: أنها تنطق كنطق كنطقك الأصوات، ولا تلفظ كلفظك الحروف، فتقول في قوله تعالى: (ص) «صاد» صوتًا نطقيًا، لا حرفًا مرسومًا «ص»

(1) ابن الزملكاني، البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن: 57.

(2) الحجر: 9.

أو «أص» وكذلك في قوله تعالى: (ق) فإنك تقول «قاف» لا «ق» ولا «إق» وهكذا في الحروف الثنائية كقوله تعالى: (طس) وفي الحروف الثلاثية كقول تعالى: (ألم) وكذلك في الحروف الرباعية كقوله تعالى: (ألمر) وكذلك في الحروف الخماسية كقوله تعالى: (كهيعص) فكلها تنطق بأسماء تلك الحروف أصواتًا، لا بأشكالها الهجائية رسومًا، مما يقرب منها البعد الصوتي المتوخى، بينما كتبت في المصاحف على صورة الحروف لا صورة الأصوات.

وقد علل الزركشي (ت: 794 هـ) المؤشر الأخير بالوقوف عند خط المصحف بأشياء خارجة عن القياسات التي يبنى عليها علم الخط والهجاء «ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان لا ستقامة اللفظ، وبقاء الحفظ» (1) .

وأشار الشيخ الطوسي (ت: 460 هـ) إلى جزء من صوتية هذه الحروف بملحظ الوقف عندها فقال: «وأجمع النحويون على أن هذه الحروف مبنية على الوقف لا تعرب، كما بني العدد على الوقف، ولأجل ذلك جاز أن يجمع بين ساكنين، كما جاز ذلك في العدد» (2) .

هذه لمحات صوتية في خضم دلالات الحروف المقطعة في فواتح السور القرآنية، وقفنا عند الصوت اللغوي فيها، وأشرنا إلى البعد الإعجازي من خلالها، وليس ذلك كل شيء في أبعادها، فقد تبقى من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وخير الناس من قال فيها بكل تواضع: الله أعلم، كما قال ذلك مالك بن بني في حديثه عنها.

«لقد حاول معظم المفسرين أن يصلوا إلى موضوع الآيات المغلقة إلى تفاسير مختلفة مبهمة، أقل أو أكثر استلهامًا للقيمة السحرية التي تخص بها الشعوب البدائية: الكواكب، والأرقام والحروف، ولكن أكثر المفسرين تعقلًا واعتدالًا، هم أولئك الذين يقولون في حال كهذه بكل تواضع: الله أعلم» (3) .

(1) الزركشي، البرهان: 1>172.

(2) الطوسي، التبيان: 1>50.

(3) مالك بن بني، الظاهرة القرآنية: 333.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت