فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17088 من 30278

(وما علّمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرءان منين) (2) .

الثاني: الردّ في القرآن على دعوى القول بأن النبي شاعر، وأن القرآن منه في ثلاثة مواطن:

1ـ الملحظ الافترائي الموجه إليه، والمعبر عن حيرة المشركين:

(بل قالوا اضغاث احلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بأية كما أرسل الأولون) (3) .

2 ـ التعصب الأعمى للآلهة المزعومة دون وعي، وبكل إصرار بافتعال الادعاء الكاذب:

(ويقولون أئنا لتاركوا ءالهتنا لشاعر مجنون) (4) .

3 ـ التربص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقع الموت له، بزعمهم أن سيموت شعره المفترض معه!!

(أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون) (5) .

الثالث: إن العرب لو اعتقدوا أن القرآن شعر لأسرعوا إلى معارضته من قبل شعرائهم، فالشعر ديوان العرب، وقصائدهم معلقة بالكعبة تعبيرًا عن اعتدادهم بالشعر، واعتزازهم بالشعراء، وهم أئمة البيان ورجال

(1) الحاقة: 41 ـ 43.

(2) ياسين: 69.

(3) الأنبياء: 5.

(4) الصافات: 36.

(5) الطور: 30.

الفصاحة، ولكنها مغالطة واضحة «ولو كان ذلك لكانت النفوس تتشوق إلى معارضته، لأن طريق الشعر غير مستصعب على أهل الزمان الواحد، وأهله يتقاربون فيه، أو يضربون فيه بسهم» (1) .

الرابع: إن الشعر إنما يقصد إليه بذاته فينظم مع إرادة ذلك، ولا يتفق اتفاقًا أن يقول أحدهم كلامًا فيأتي موزونًا، فالشعر «إنما ينطلق متى قصد إليه على الطريق التي تعمد وتسلك، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوي فيه العامي والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه، وما يتفق من كل واحد، فليس بشعر فلا يسمى صاحبه شاعرًا، وإلا لكان الناس كلهم شعراء، لأن كل متكلم لا ينفك أن يعرض في جملة كلامه ما يتزن بوزن الشعر وينتظم بانتظامه» (2) .

سقنا هذا في حيثية تنزيه القرآن عن سمة الشعر وصفته، لأنه قد وجد فيه ما وافق شعرًا موزونًا، وما يدريك فلعل القرآن يريد أن يقول للعرب: إن هذا الشعر الذي تتفاخرون به، نحن نحيطكم علمًا بأوزانه على سبيل الأمثلة لتعتبروا بسوقها سياق القرآن في صدقه وأمانته، ولا غرابة أن يكون القرآن يريد أن ينحو الشاعر بشعره منحى الحق والصرامة والفضيلة والصدق، ومع هذا وذاك فما ورد من الموزون فيه جار على سنن العرب في كلامها، إذ قد يتفق الموزون ضمن المنثور، بلا إرادة للموزون، ولا تغيير للمنظوم. فقد حكى الزركشي (ت: 794 هـ) أن إعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) (3) .

فقال كسرت، إنما قال:

يا أيها الناس اتقوا ربكم * زلزلة الساعة شيء عظيم

فقيل له: هذا القرآن، وليس الشعر (4) .

فاعتقده لأول مرة شعرًا فحذف «أن» ليستقيم الوزن فيما عنده. ولو قلنا بالإيقاع الصوتي، وفسرنا الورود البياني لهذا المظهر الموزون بمجانسة

(1) الباقلاني، إعجاز القرآن: 82.

(2) المصدر نفسه: 83.

(3) الحج: 1.

(4) الزركشي، البرهان: 2>116.

الأصوات، وقارنّا عن كثب بمناسبة الصوت للصوت، وملاءمة النطق بالحروف، ومتابعة الأذن للموسيقى، والسمع للنبر والتنغيم، زيادة على ما تقدم لكنا قد أحسنّا التعليل فيما يبدو، أو توصلنا في الأقل إلى بعض الوجوه المحتملة، أو الفوائد الصوتية المترتبة على هذا المعلم الواضح، والله أعلم.

وقد يقال بأن هذا المعلم إنما ينطبق على أجزاء من الآيات لا الفاصلة وحدها، فيقال حينئذ بأن وجود الفاصلة في هذه الأجزاء من الآيات هو الذي جعل جملة هذا الكلام موزونًا، فبدونها ينفرط نظام هذا السلك، وينحل عقد هذا الابرام لهذا نسبنا أن يكون الحديث عن هذا الملحظ ضمن هذا البحث.

ومهما يكن من أمر، فإن ورود ما ورد من هذا القبيل في القرآن ينظر فيه إلى غرضه الفني مضافًا إلى الغرض التشريعي، وهما به متعانقان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت