فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17124 من 30278

والمقبرة الواحدة مرعبة هائلة، فإذا ضممنا مقبرة مترامية الأطراف الى مقبرة مثلها، ومقبرة أخرى، إزددنا إيحاشًا ورعبًا وفزعًا، فإذا أصبحت مقابر عديدة؛ تضاعف الرعب والرهب، إذن هذا التكاثر الشهواني في كل شيء، يوافقه ـ بدقة متناهية ـ الجمع المليوني للقبور، لتصبح مقابر لا قبورًا، ولو قيل في غير القرآن بمساواة القبور للمقابر في الدلالة لما سدّ هذا الشاغر الدلالي شيء آخر من الألفاظ، فهو لها فحسب (2) .

إذن ليست هذه الصيغة البلاغية في استعمال المقابر مجرد ملائمة صوتية للتكاثر، وقد يحسّ أهل هذه الصنعة ونحن معهم فيها؛ نسق الإيقاع، وانسجام النغم، ولكن ليس هذا كل شيء (3) .

ولا يعني هذا التغافل عن مهمة الانسجام الصوتي، والوقع الموسيقي في ترتيب الفواصل القرآنية، فهي مرادة في حد ذاتها إيقاعيًا، ولكن يضاف إليها غيرها من الأغراض الفنية، والتأكيدات البيانية، مما هو مرغوب فيه عند علماء البلاغة، فقوله تعالى: (فأما اليتم فلا تقهر * وأما السآئل فلا تنهر) (4) . فقد تقدم المفعول به في الآيتين، وهو اليتيم في الأولى،

(1) التكاثر: 3 ـ 4.

(2) ظ: المؤلف، تطور البحث الدلالي: 70 بتصرف.

(3) ظ: بنت الشاطي، التفسير البياني: 1>207 بتصرف.

(4) الضحى: 9 ـ 10.

والسائل في الثانية، وحقه التأخير في صناعة الاعراب، وقد جاء ذلك مراعاة لنسق الفاصلة من جهة، وإلى الاختصاص من جهة أخرى، للعناية في الأمر.

ولعل ابن الأثير (ت: 637 هـ) كان مصيبًا جدًا حينما أرجع ذلك إلى الاختصاص ونظم الكلام، ولم يقل بأحدهما (1) . بينما عاد بها إبراهيم أنيس إلى مراعاة موسيقى الفاصلة القرآنية إذ لا يصح للمفعول أن يسبق ركني الاسناد في الجملة المثبتة كما يزعم أصحاب البلاغة (2) .

وقد رده الدكتور أحمد مطلوب في هذا الملحظ، لأن الهدف ليس القهر والنهر في المقام الأول، وأنما الرجحة باليتيم والسائل، ولذلك تقدم المفعولان على فعليهما، ولو كان القصد غير ذلك لتأخرا وجاءا على نسق الكلام المحفوظة رتبته (3) .

ومهما يكن من أمر، فأن السجع عند العرب مهمة لفظية تأتي لتناسق أواخر الكلمات في الفقرات وتلاؤمها، فيكون الإتيان به أنى اتفق لسد الفراغ اللفظي، وأما مهمة الفاصلة القرآنية فليس كذلك، بل هي مهمة لفظية معنوية بوقت واحد، إنها مهمة فنية خالصة، فلا تفريط في الألفاظ على سبيل المعاني، ولا اشتطاط بالمعاني من أجل الألفاظ، بينما يكون السجع في البيان التقليدي مهمة تنحصر بالألفاظ غالبًا، لذلك ارتفع مستوى الفاصلة في القرآن بلاغيًا ودلاليًا عن مستوى السجع فنيًا، وإن وافقه صوتيًا.

وهنا نشير إلى أن ابن سنان الخفاجي (ت: 466 هـ) قد رد جزءًا من هذه المفاضلة بين السجع والفاصلة، وخلص إلى سبب التسمية في معرض نقاشه لعلي بن عيسى الرماني؛ «وأما قول الرماني إن السجع عيب، والفواصل على الإطلاق بلاغة فغلط، فإنه إن أراد بالسجع ما تتبع المعنى، وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة، والفواصل مثله، وإن كان يريد بالسجع ما

(1) ظ: ابن الأثير، المثل السائر: 2>39.

(2) ظ: إبراهيم أنيس، من أسرار العربية: 312.

(3) ظ: أحمد مطلوب، بحوث لغوية: 58.

تقع المعاني تابعة له، وهو مقصود متكلف، فذلك عيب، والفواصل مثله. . . وأظن أن الذي دعا أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل، ولم يسمّوا ما تماثلت حروفه سجعًا رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم، وهذا غرض في التسمية قريب» (1) .

ويلحظ من النص، أنه يعيب ما ينافي البلاغة سواء أكان سجعًا أم سواه، ويشير إلى ناحيتين:

الأولى: أن الفواصل هي كل ما في أواخر الآيات تماثلت حروفه أو لم تتماثل خلافًا للسجع المتماثل الحروف.

الثانية: أن اختصاص أواخر الآيات بتسمية الفواصل إنما وقع لرغبتهم أن لا يوصف كلام الله تعالى بالكلام المروي عن الكهنة لا مطلق السجع.

معرفة فواصل القرآن صوتيًا:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت