فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهذه مسألة من المسائل المهمة التي بنى عليها أهل السنة اعتقادهم في هذه القضية فعقيدة أهل السنة و الجماعة: أن جبريل سمع القرآن من الله مباشرةً، و نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم، كما تدل عليه أحاديث تكلم الله بالوحي كما سيأتي وقال الزهري -رحمه الله-: أحدث آية بالعرش آية الدين، وقد يسأل البعض فيقول: إذا كان سمعه من الله فلماذا نزل في اللوح المحفوظ؟ ّ كما قال الله عز وجل عن القرآن بأنه (في لوح محفوظ) ولماذا جعله (في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة) ولماذا جعله الله عز وجل في بيت العزة في سماء الدنيا؟!
فنقول: هذا يدل على مزيد عناية الله عز وجل بهذا القرآن، فهو حينما كتبه الله عز وجل في اللوح المحفوظ لم يمنع ذلك من إنزاله إلى بيت العزة في سماء الدنيا، كما لا يمنع ذلك من أن جبريل يسمعه من الله تبارك وتعالى مباشرة.
وكلمة التنزيل: تدل على نزول كما يدل عليه ظاهرها ـ نزول من أعلى ـ وهذه الكلمة تدل على هذا المعنى بجميع استعمالاتها، ونحن حينما ننظر إلى القرآن حينما يحدثنا الله عز وجل عن إنزاله، وننظر إلى استعمالات هذه اللفظة (النزول) في كتاب الله عز وجل؛ نجد أن ذلك على ثلاثة أنواع لا رابع لها:
النوع الأول: الإخبار بأن الشيء منزل منه سبحانه وتعالى، أي:أن يضيف ذلك إليه سبحانه.
الثاني: أن يقيده بأمر آخر أو بشيء آخر كالسماء وغيرها.
الثالث: وهو أن يطلقه من غير قيد.
أما النوع الأول: وهو الإنزال الذي قيده الله عز وجل بأنه منه؛ فلم يرد في جميع المواضع في كتاب الله عز وجل؛ إلا في إنزال القرآن فقط، والآيات التي في هذا المعنى كثيرة جدا كقوله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) (الأنعام: من الآية114) ، ولم يقل من السماء، وكقوله: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) (النحل: من الآية102) وهكذا في قوله: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (الزمر:1) وهكذا أيضا في سائر المواضع التي من هذا القبيل.
والقسم الثاني: وهو ما كان الإنزال فيه بقيد، لكن بقيد آخر؛ مثل الإخبار بأن هذا أنزل من السماء كقوله تبارك وتعالى مثلا عن المطر (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) (الحجر: من الآية22 ) ) والمقصود مطلق العلو، والسحاب يقال له سماء
كما قال الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه و إن كانوا غضابا.
و مما يفسر هذا المعنى كذلك قوله تبارك وتعالى (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) (الواقعة: من الآية69) فحينما يخبر عن إنزال المطر من السماء: يعني من السحاب، وكقوله (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) (النور: من الآية43) من خلال السحاب، وهكذا حينما أخبر الله تبارك وتعالى عن بعض الأشياء أنه أنزلها بقيد كقوله (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) (الزمر: من الآية6) على أحد التفسيرات في الآية مما يصلح هنا أن يكون شاهدا: يمكن أن يكون أنزل أصولها ويكون هذا من قبيل الإنزال المطلق، وهو النوع الثالث الذي سيأتي، ويمكن أن يكون أنزل لكم من الأنعام؛ أي: أن أولادها تنزل، إما لأنها إذا ولدت سقطت أولادها إلى الأرض؛ فهذا نزول، أو لأن فحولها تنزو على إناثها، وهذا فيه معنى النزول فيستقر ذلك في الأرحام.
وأما القسم الثالث وهو: الإنزال المطلق الذي لم يقيده بشيء لا بالسماء ولا بغيرها، فكما قال الله عز وجل في إنزال السكينة: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (التوبة: من الآية26) من أين أنزلها؟ لم يحدد، وكقوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) (الفتح: من الآية4) فلم يقل: أنزل السكينة منه، أو قال: أنزل السكينة من السماء،وهكذا قد تنزل الملائكة بالسكينة في قلوب المؤمنين كما قال الله عز وجل: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) (لأنفال: من الآية12) فتنزل الملائكة بالسكينة في قلوبهم ويحصل الثبات من جراء ذلك.
(يُتْبَعُ)