فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 2642 من 53113

وصح عن عكرمة في تفسير قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) (الواقعة:75) قال: أنزل الله القرآن نجومًا .. ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، يعني وأكثر من ذلك وأقل .. فهذا النزول منه ما يكون بسورة كاملة ومنه ما يكون بأقل من ذلك.

فما الحكمة من نزول القرآن مفرقًا منجمًا على النبي صلى الله عليه وسلم؟

لعلي أذكر حكمًا كبيرة يندرج تحتها أشياء تدخل تحتها فمن ذلك:

الأول:- تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله عز وجل:- (كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) فهذه واحدة، وهذا التثبيت من خمسة أوجه كما يذكر بعض أهل العلم:

أولها:- أن في تجدد الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم مرة بعد مرة؛ انشراح لصدره عليه الصلاة والسلام، لما في ذلك من عناية الله عز وجل به حينما يتعاهده الملك.

ثانيها:- أن ذلك أيسر لفهمه وحفظه فيكون ذلك من تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن من جهة الفهم والحفظ.

وثالثها:- أنه في كل مرة ينزل عليه القرآن؛ هو في الواقع يأتيه بمعجزة جديدة، فيكون ذلك مزيدًا من التثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورابعها: أن نزوله مفرقًا يكون ذلك تأييدًا له مرة بعد مرة، لأنه إذا نزل يدحض شبه المبطلين، ويرد على افتراءاتهم، ويكسرهم وهم أعداء النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك مقويًا له وناصرًا له على هؤلاء الذين يتقولون عليه زورًا وبهتانًا.

وخامسها:- أن في ذلك من تعاهد الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم عند اشتداد الأمور ما فيه، فكلما تعددت الشدائد كلما تعدد ما يرفعها ويدفعها، فيخف عنه الألم والبلاء ويتسلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ولو اجتمع عليه من بأقطارها. فهذه خمسة أوجه تدخل تحت هذا الأمر الأول وهو تثبيت فؤاد لنبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني من الحكم التي تذكر في نزول القرآن مفرقا: التدرج في تربية الأمة في الأمور العلمية، والأمور العملية وهذا أيضًا من خمسة أوجه:-

أولها:- تيسير الحفظ على الأمة؛ فلو نزل جملة واحدة لشق عليهم لكن في ثلاث وعشرين سنة، مرة تنزل آية، و مرة تنزل ثلاث ومرة خمس فيتلقونها فيحفظونها، وهكذا تيسير الفهم فيتعلمون العلم والعمل جميعًا، لا سيما مع معايشة الوقائع فترسخ لأنها تنزل في حادثة يشاهدونها.

ثانيها:- تيسير فهمه، حيث كانوا يتلقونه شيئًا فشيئًا مع التفقه في معانيه وأحكامه.

ثالثها:- التمهيد لكمال تخليهم عن عقائدهم الباطلة؛كما قالت عائشة رضي الله عنها:- لو كان أول ما نزل لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندعها أبدًا،و هكذا لو نزل لأول وهلة كل ما في القرآن من المنهيات؛ لما أطاقه هؤلاء الناس لكنه نزل شيئًا فشيئًا حتى يتخلوا عن باطلهم الذي نشؤوا وشبوا وشابوا عليه.

رابعها:- التدرج معهم في الأحكام، وتربيتهم بهدايات القرآن شيئًا بعد شيء، ولو أنه فاجأهم بهذه الأحكام جميعًا، وطالبهم بتطبيقها ما استطاعوا.

خامسها:- تثبيت قلوب المؤمنين، وتسليحهم بعزيمة الصبر؛ لأن القرآن حينما ينزل عليهم يعالج الحوادث، ويبين لهم الأحكام مرة بعد مرة،فمرة يذكر لهم قصة نبي .. ومرة يذكر لهم واقعة من الوقائع إلى آخره؛ فهذه الأمور هي تربية يتربون عليها.

الثالثة من الحكم:- هي مسايرة الحوادث والوقائع وذلك من ثلاثة أوجه:-

أولها: إجابة الأسئلة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم توجه له الأسئلة فيأتي الوحي.

ثانيها: الأحداث التي تكون في السيرة .. تخلف أُناسٌ عن غزوة تبوك .. فعل المنافقون فعلًا .. قال اليهود قولًا .. فتنزل الآيات تتحدث عن هذا الأمر وتبين الموقف منه، وتجلي حقيقته وأنت تجد الناس اليوم إذا وقع حدث بدؤوا يبحثون عن المحللين، ومن يطمئنون إليهم و يثقون بهم ليحللوا لهم خلفيات هذا الحدث، فالقرآن كان ينزل ويعالج هذه القضايا ويبين الموقف الصحيح منها فهذه أمة رباها القرآن.

ثالثها:- كشف حال المنافقين وأعداء الإسلام، ولهذا سميت سورة براءة بالفاضحة والمقشقشة؛ حتى قال ابن عباس: مازال الله عز وجل يقول: ومنهم .. ومنهم .. ومنهم .. ومنهم .. ـ يعني ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني .. ومنهم من يقول كذا ـ حتى ظننا أنها لا تبقي أحدًا) ففضحتهم وكشفتهم.

الرابع من هذه الحكم: الإرشاد إلى مصدر القرآن:-

فحينما ينزل هذا القرآن في ثلاث عشرين سنة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى نفس المستوى من البلاغة والفصاحة والقوة فماذا يعني هذا؟! يعني أن مصدره من الله عز وجل. فالآن حينما يؤلف الإنسان كتابًا لمدة ثلاث وعشرين سنة، لو نظرت إلى السنة الأولى والسنة الرابعة أو الخامسة والسنة العاشرة والسنة الخامسة عشرة والسنة الأخيرة لوجدت تفاوتًا كبيرًا، بل إن الإنسان يكتب فإذا قرأ ما كتب بعد سنتين أو ثلاث أو أربع لربما يعجب كيف كتب هذا الكلام؟ وربما احتاج إلى إعادته، فكونه نزل على نفس المستوى ونفس النمط فأول ما نزل: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1) ،وآخر ما نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:278) فهل تجد فرقًا في الفصاحة والعذوبة والقوة؟! أبدًا .. وبين هذه وهذه ثلاث وعشرون سنة.

ونحن حينما نرى بعض الكتب التي يكون العالم قد وُفِّق فيها وكتبها بأسلوب محرر، نقول لعل هذا من آخر مؤلفاته، وإذا رأينا في كتابه شيئًا من الضعف، قلنا لعل هذا من أول تصانيفه، لأن الإنسان لا يزال يُحصِّل المَلَكات، ويتدرج في سلم الكمال حتى يُحصِّل من ذلك ما يشاء الله عز وجل.

أما هذا القرآن؛ فهو كلام رب العالمين لا ترى فيه هذا التفاوت، ولو كان من أحد البشر لرأيت فيه تفاوتًا عظيمًا، وهذا داخل تحت عموم قوله تبارك وتعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) (النساء: من الآية82) فهذا الاختلاف يقع على صور متعددة منها هذا التباين في الفصاحة والبلاغة وما إلى ذلك. والله تعالى أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت