وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال صلى الله عليه وسلم: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا) .
فعادة الإنسان في الدنيا أنه يضحك كثيرًا ويبكي قليلًا، ولعل البعض لا يبكي أصلًا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم علم اليقين، فقد رأى الجنة والنار صلوات الله وسلامه عليه، ورأى ملائكة الله سبحانه، وسمع عذاب القبر، وكان يقول لأصحابه أحيانًا: (هل تسمعون ما أسمع؟) وهم لا يسمعون ما يسمع، ويمر على قبرين يعذبان فيقول: (إنهما يعذبان ولا يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس) .
فهنا رأى ما لا يرون، ولو رأى الناس ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، أو علموا يقينًا ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لكان الأمر كما قال: (لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين) ، أي: أنهم تأثروا بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، واستحضروا خشية الله سبحانه، فإذا بهم يبكون.
والخنين هو صوت الأنف عندما يخرج منه النفس ويدخل أثناء البكاء، وهذا من كتمان بكائهم رضوان الله تبارك وتعالى عليهم.