وأيضًا ما رواه البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: بينما هو يسير مع النبي صلى الله عليه وسلم مقفله من حنين، أي: مرجعه من غزوة حنين سنة ثمان من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، وقد غنم جيش المسلمين مغانم كثيرة، ولكن مع ذلك كان يود النبي صلى الله عليه وسلم إسلام القوم فيرد عليهم المغانم، لكنهم لم يسلموا إلا بعد تقسيم الغنائم، ومع ذلك رد نصيبه من القسمة.
قال: فعلقه الأعراب يسألونه، أي: أن الصحابة كانوا يستحيون منه، وإن كانوا يريدون من هذه الغنائم، أما الأعراب فإن فيهم بجاحة، فتعلقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم يريدون منه عطاءً؛ (حتى اضطروه إلى سمرة) والسمر: شجر له شوك ويكون في الصحراء، (فخطفت رداءه) فتعلق بأشواك هذه الشجرة، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته بينكم) .
أي: لو كنت أملك مثل أشواك هذه الشجرة من بهيمة الأنعام كنت قسمته بينكم.
قال: (ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذابًا ولا جبانًا) وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه وهو أكرم الخلق وأصدقهم وأشجعهم أن يكون بخيلًا أو كذابًا أو جبانًا.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي، ولا يمسك لنفسه شيئًا، فإذا أخذ المغانم التي تخصه أنفق منها على أهل بيته، وعلى أضيافه، وعلى المسلمين أيضًا، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: (ليس لي فيها إلا الخمس، والخمس مردود عليكم) ، يعني: لن آخذه وأدخره، بل سأرده عليكم، وهذا كرم منه صلوات الله وسلامه عليه.