نرجع للأحاديث التي بدأنا فيها، ومنها حديث عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته دينارًا، ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها) صلوات الله وسلامه عليه.
توفي ولم يترك من الدنيا شيئًا من هذه الأشياء التي يملكها فتكون ورثًا بعده، لم يترك لأهله شيئًا صلوات الله وسلامه عليه، وكانت له أرض صلى الله عليه وسلم فجعلها لابن السبيل صدقة.
من الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) .
هذه الدنيا لا قيمة لها عند الله عز وجل، والدليل على ذلك أنه أعطاها للكافر، وصار الكفار من ملوك الأرض وأغنيائها، ولو كانت لها قيمة عند الله ووزن ما كان أعطاها للكفار.
فالمعنى: أنك لا تنظر للغني على أنه صالح وأن ربنا قد فتح عليه وكرمه لأنه يستحق هذا الشيء، فليس المال دليلًا على رضا الله عز وجل عن صاحبه، حتى تنظر في عمل هذا الإنسان، فإذا كان مؤمنًا صادقًا يفعل في ماله ما أمر الله عز وجل به فهو في درجة كبيرة عند ربه سبحانه، وفعلًا هذا ممن رضي الله عز وجل عنه فهو يرضي ربه فيما أعطاه، أما إذا كان يعمل بسخط الله عز وجل في هذه الأشياء إذًا: هنا أعطاه الله الدنيا وليس فيه دليل على رضاه، وإنما أعطاه استدراجًا.
كذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله تعالى، وما والاه، وعالمًا ومتعلمًا) .
هذه الدنيا مبغوضة عند الله سبحانه وتعالى وساقطة لا قيمة لها.
(ملعون ما فيها) إلا أشياء لا تشغل عن الله ولا عن دين الله تبارك وتعالى.
إذًا: كل ما في هذه الدنيا ليس له قيمة عند الله ولا يساوي عنده جناح بعوضة إلا ذكر الله، والذاكر لله سبحانه وتعالى هو الذاكر لله في صلاته، والذاكر لله عز وجل في قراءته للقرآن في تسبيحه، في أذكاره في الصباح والمساء في نومه في الأذكار التي يقولها عند ذهابه إلى عمله وسوقه وعند دخول بيته وخروجه منه وغير ذلك مما فيه ذكر الله، وإذا حضر جلسة علم يتعلم فيها، فهذا ذكر الله تبارك وتعالى.
قوله: (وما والاه) ، من ذكر الله عز وجل ومن انشغل بما شابه ذلك من العلم.
قوله: (وعالمًا ومتعلمًا) .
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر) .
وقال: (إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) .
من أخذ في العلم أخذ من ميراث الأنبياء بحظ وافر، فقال لنا هنا: (وعالمًا ومتعلمًا) ، العالم الذي يعلم الناس الخير، والإنسان المؤمن حتى يكون عالمًا لا بد وأن يتعلم العلم الشرعي، يتعلم كتاب الله عز وجل وتفسيره وأحكامه، ويتعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفقهها، ويتعلم دين الله عز وجل، فإذا تعلم ما ينفعه من دين الله كان عليه أن يبلغ ذلك، وكان ممن يستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان والأسماك في البحر.
قال: (وعالمًا) وما اقتصر على ذلك بل قال: (ومتعلمًا) ، فكأن الإنسان لن يكون عالمًا حتى يكون متعلمًا.
فالمتعلم كذلك له عند الله درجة عظيمة، يتعلم الخير ليعلم الخير يومًا من الأيام.