من الأحاديث حديث لـ خويلد بن عمرو الخزاعي وكنيته أبو شريح رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) وكأن كلمة: (فليكرم) هنا ضمنت معنى: (يعطي) ولذلك نصبت مفعولين، فكأن الأصل: فليعط ضيفه جائزته، والأصل أن (يكرم) تنصب مفعولًا، فلما ضمنها هذا المعنى نصبت مفعولًا آخر، كأنه يقول لك: أعط الضيف على وجه الإكرام جائزته، وكأن كلمة (الجائزة) معناها ما يجازى به الإنسان.
قال: (قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام) ، فكأن الجائزة للضيف أن تتكلف له يومًا واحدًا وليلة، خاصة إذا كان غريبًا آتيًا من مكان بعيد ونزل عندك ضيفًا، وإذا كان في مكان ليس فيه فنادق، وليس فيه محلات للأطعمة، فإما أن تطعمه وإما أن يبيت في الشارع، فدليل إيمانك بالله واليوم الآخر أن تكرم هذا الضيف الذي نزل بك.
والواجب الذي عليك في هذه الحالة هو إكرامه يومًا وليلة، والمستحب ثلاثة أيام ولياليهن، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، وكأن ذلك إشارة للضيف ألا تثقل، فهل تريد أن تكون مثل السائل الذي يسأل فيُتصدق عليك في هذه الأيام؟ فإذا نزلت على إنسان فإنه يكفيك يوم وليلة، وإذا زاد ذلك فثلاثة أيام ولياليهن، وما زاد على ذلك فمعناه أنك تستجدي منه، فتطلب منه أن يعطيك صدقة فوق الثلاثة الأيام، فلا تحرج الذي نزلت عنده.
وجاء في رواية في صحيح مسلم: (لا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه) ، فهذا مسلم أتى إليه ضيف، فأطعمه وسقاه، وأحضر له الأشياء الغالية، فأعجبه ذلك فمكث في البيت، وفي اليوم الثاني لم يرحل، وفي الثالث لم يرحل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل لك أن تؤثمه.
قيل: وكيف يؤثمه؟ قال: (يقيم عنده ولا شيء له يقريه به) ، إذًا: فهو ينزل على إنسان ضيفًا، ويعلم أنه مسكين وذو عيال، وقد يكون طعامه على مقدار عياله، ثم يظل عنده قاعدًا لا يرحل، فيحرج أهل البيت ولا شيء عندهم يقدمونه لهذا الضيف.
وقد ذكر لنا بعض إخواننا أنه نزل عليه أناس من أقاربه قادمون من الصعيد، ولم يكن لديه شيء، وكان يقدم لهم العدس الذي يملكه ولا يعجبهم، فقالوا: كل يوم تقدمون لنا عدسًا، قدموا لنا شيئًا آخر! فهؤلاء ضيوف لئام؛ إذ من لؤم الطبع أن ينزل إنسان ضيفًا ويعترض على صاحب البيت في نحو ذلك.
فالإنسان يجود بالشيء الموجود عنده ولا يتكلف، وقد يتكلف في اليوم الأول، وهذا يمدح عليه، أما أكثر من ذلك فلا، وعلى الضيف أن يأكل من طعام البيت، ولا يحل للضيف أن يثوي عند إنسان حتى يؤثمه.
وقد ينزل ضيف على شخص وهو يعرف أن بيته مكون من غرفتين، أو من ثلاث غرف تسعه وأولاده، فأين سيذهب بأولاده، وأين سيذهب بزوجته إذا كنت ستنزل عنده؟ وإذا كان المرء في مدينة وفيها فنادق، والضيف غني له مال، فإنه لا يجب عليك مع هذا الحال أن تضيفه، فلا يلزمك أن تقول له: تعال فبت عندي وبيتك على قدرك، وطعامك وشرابك قليل.
بل أطعم الضيف بما جاد الله عز وجل عليك به، ولينصرف هو فليبت في أي مكان، أما الوجوب - كما قال كثير من الفقهاء - فإنه يكون فيما إذا نزل الضيف على أهل قرية ليس فيها فنادق، وليس فيها طعام يباع، وهو فقير ليس له شيء، وإذا كان هذا حاله فإنه سيقضي الليل في الشارع فهذا الإنسان يلزمك أن تضيفه، وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على ذلك، حيث لا فنادق، ولا مطاعم ونحوها، فالذي ينزل على الناس إما أن يضيف، وإما أنه لا يجد مكانًا ينزل فيه، والذين كانوا ينزلون على النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزلهم في المسجد، وأما بيته صلى الله عليه وسلم فهو غرفة لكل امرأة من نسائه عليه الصلاة والسلام، فكان ينزل أضيافه في المسجد، أو ينظر في مَن يضيف النازلين به من أصحابه، ويعده بالأجر عند الله، فيضيفه من يشاء الله عز وجل من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فالغرض أن الإنسان إذا نزل ضيفًا على إنسان فلينظر في حاله، فلا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثم صاحب المكان، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم سبب التأثيم بقوله: (يقيم عنده ولا شيء له يقريه به) والقرى هو طعام الضيف.