في الصحيحين عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: دعا رجل النبي صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه له خامس خمسة، أي: أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت معزوم وأربعة معك، فتكونون خمسة على الطعام، فتبعهم رجل فأصبحوا ستة، وعرفنا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الآخر أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، فجاء معهم سادس والرجل أعد طعامًا لخمسة، وفي هذا الموقف لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: طعام الخمسة يكفي الستة، ففي هذا تأديب لأصحابه وهم القدوة الذين يأتسى بهم وتأديب لمن يأتي بعدهم، أن يستنوا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فبيوت الناس حرمات، فإذا جاءك ودعاك لوحدك أو دعاك أنت والثاني فلا تدخل عليه شخصًا آخر، فلعله لا يحب هذا الإنسان، ولعله يفسد عليه طعامه، ولعلك عندما تأخذ هذا الإنسان معك وتدخل معه البيت تحصل بينك وبينه مشكلة عند صاحب الطعام الذي لم يدعه أصلًا، فلا تؤذ صاحب الطعام بإنسان حضر معك لم يدعه، ولكن إن اضطررت لذلك فعند دخولك عليك أن تفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تبعهم رجل فلما بلغ الباب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا تبعنا) أي لم ندعه نحن، هو الذي أتى لوحده، (فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع) فهنا لا يوجد مزاح في هذا الشيء، فهذا البيت لصاحبه، وصاحبه يدخل من يريد إلى بيته، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي) .
إذًا: فعند اختيار الأصحاب يجب اختيار المؤمن وعندما أدخل بيتي إنسانًا فأنا أدخل من أريد، فالإنسان الذي في ظني أنه تقي له أن يدخل البيت، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا تبعنا) أي: نحن لم ندعه هو الذي أتى بنفسه، (إن شئت أذنت له، وإن شئت رجع) أي: لن نتوسط له ولن نشفع له ولكن حسب ما تريد، فالرجل قال: بل آذن له يا رسول الله! فأذن له.
إذًا: الأدب في ذلك أن الإنسان لا يتبع إنسانًا خاصة إذا كان في طعام، فلا يفعل هذا الشيء، فإذا فعل فإنه يستحق هذا الجواب الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وأحيانًا يستهين بعض الناس بهذا الشيء، يعرف أن فلانًا داعي إنسان للطعام، فيقول له: خذني معك نأكل عنده، فيذهب معه ظانًا أن له محبة عند صاحب الطعام، وأنه يحب حضوره، فليس كل إنسان يحب هذا الشيء، فلعل إنسانًا يتأذى من إنسان ويكتفي بأنه صاحبه في المسجد فقط، أو في الطريق فقط، أو في الكلية فقط، أو في المدرسة، لكن لا يريد أن يدخل بيته، لذلك لا يفرض المسلم نفسه على أحد أبدًا، فإذا لم يدعه أحد لا يذهب، إلا أن تكون دعوة عامة في مسجد، أو وليمة زواج، وإذا كانت الدعوة مفتوحة للجميع، فعلى ذلك لم يحجر على أحد، أما البيوت فالبيوت حرمات لأصحابها، فقد يحب الإنسان إنسانًا يدخل عليه بيته، وقد يتأذى من إنسان آخر، لذلك لا يدخل إنسان بيت أحدٍ إلا بإذنه.
وعلّم الله سبحانه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في إجابة الدعوة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب:53] ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذى أن يأتي إليه البعض من أصحابه من غير أن يدعوهم أو يأتوا إليه ويجلسون لفترة طويلة، فغيرهم كذلك يتأذى من هذا، فعلّم الله عز وجل الجميع هذا الأدب القرآني.
نسأل الله عز وجل أن يعيننا على التأدب بآداب القرآن، والتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.