وهنا اختلف العلماء في أيهما أفضل: مخالطة الناس أم عدم مخالطة الناس؟ فهذا الصحابي أخد بعدم المخالطة والبعد عن الناس، فطالما غيره موجود فسيكفيه مئونة الناس، وأبو الدرداء كان يجالس الناس عملًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) وقد جاء عنه أيضًا (أمر المؤمن باعتزال الناس إذا وجد شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، وأعجاب كل ذي رأي برأيه) .
والراجح أن الاختلاط بالناس إذا كان مصحوبًا بالفتن والأذى فالبعد عنهم واعتزالهم أفضل من الاختلاط بهم، أما إذا كان بمخالطته لهم سيدعوهم إلى الله عز وجل ويسمعون ويطيعون لما يأمر به من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالأفضل أن يخالطهم، والله أعلم.
فالقصد: أن هذا الصحابي الفاضل كان رجلًا متوحدًا يعني: قليل الاختلاط بالناس.
قال: إنما هو صلاة يعني: أن حاله دائمًا في صلاة أو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله، قال: فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير.
والإنسان الذي يعلم أنه ملاق ربه سبحانه لا يشغله الناس عن طاعة الله سبحانه، فمن المستحيل على الإنسان أن يرضي كل الناس؛ لأن رضا الله غاية لا تدرك؛ ورضا الناس غاية لا تترك، فلأجل رضا الله سبحانه ينشغل الإنسان بما يرضي ربه سبحانه، فينشغل الإنسان بطاعة الله ولا يشغله أحد أبدًا عن طاعة الله سبحانه، ولو أنك أعطيت للناس وقتك كله فلن يكفيهم، ولن يهمهم أن يضيعوا وقتك واستفادتك أبدًا، فمن احتاج إلى شيء معين أراد تحصيله ولو كان في ذلك ضرر على الآخر، وهذا هو حال الناس في الغالب، لكن المؤمن الفطن الذكي يعرف أن وقته أغلى وأثمن شيء عنده فيعطي للناس ما فاض عن ذلك، أما أصل وقته فإنه لا يفرط فيه، فهو يعلم أن من المفروض عليه أن يمضي هذا الوقت في الصلاة والصوم وطلب العلم الشرعي وغيره، فهو لا يفرط في ذلك ولا يتلهى عنه بشيء مهما كانت الأعذار التي أمامه، وحتى لو غضب الناس عليه، فلا يهمه ذلك طالما أنه يرضي الله سبحانه تبارك وتعالى.
وإذا كان الإنسان على ذلك فإن الله يرضى عنه ويرضي الناس عنه يومًا من الأيام، لكن الإنسان الذي يظل يعطي الناس وقته لكي لا يحزنوا منه، فلا يحفظ شيئًا في النهار، ولا يقرأ شيئًا، ولا يذاكر ولا يلقي درسًا فسيضيع في النهاية، فعلى المؤمن ألا يستحي من رده إذا كان في شغل يشغله عنهم فهو أولى باستغلال وقته من غيره، وقد علمنا الله ذلك في كتابه فقال: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} [النور:28] .
وللأسف فنحن في زمن يحزن فيه الناس إذا قيل لهم: ارجعوا، ويظن من هذا القول أنك تترفع عليه، ولم يدر هو نفسه أنه يقطع عليك عبادتك ووقتك الثمين، فهو لا يهتم بذلك بل يريدك أن تكون حلاّلًا لمشاكله فقط، وإن لم يعبر عن ذلك بقوله فحاله يدل على ذلك، بل قد تجد إنسانًا يأتيك بعد صلاة العشاء ليسهر معك ويضحكك وأنت تنتظر رحيله عنك بفارغ الصبر، ولم يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المسامرة بعد العشاء.
وهذا لا يعارض أن بعض أصحابه كانوا يسهرون معه مثل أبي بكر وعمر؛ لأنهم كانوا يسهرون معه في مصالح المسلمين، فلا يسهروا لأجل أن يعطلوا النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كل إنسان يصلح للكلام في مصالح المسلمين.
أنت عندما تجلس مثلًا تختم الصلاة بعد الصلاة ثم تقرأ آية الكرسي، وأنت تعلم أنك إذا قرأتها ليس بينك وبين الجنة إلا أن تموت، فيأتي فلان ليعطلك عن هذا الذكر، فيريد منك كذا ويسألك في كذا، وهل هذا الإنسان يستحق أنك تضيع الجنة لأجل خاطر كلامه؟ ثم ألا يصبر هو على هذا الشيء؟ وغالبًا تكون الأسئلة بعد الصلاة فارغة لا معنى لها، وغالبًا ما يلقيها الشيطان ليضيع الذكر عليهما جميعًا، إذًا فالجلوس للناس مضيعة للوقت، إلا أن يكون لأمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو لأشياء يحتاج إليها الناس.
وفي رمضان مثلًا تجد البعض يدخل ليصلي، ثم يخرج في نصف التراويح إلى الشارع واقفًا لا يعمل شيئًا، فمن الصعب عليه أن يكمل صلاة التراويح، وهو واقف في الحالين لكن سبحان الله! ما الذي جعل هذه الوقفة أحلى من تلك التي في المسجد؟ إنه الشيطان، يضحك على الإنسان ليخدعه فيضيع وقته.