عن نقاء بلاغي سليم في ترصد مصادر الشبه في الاستعارة، والتي لا تعدو أن تكون وجها من هذه الوجوه: حسيا أخذ لمعنى حسي، أو حسيا أخذ لمعنى عقلي، أو عقليا أخذ لمعنى عقلي.
ونستدرك عليه العقلي الذي أخذ لمعنى حسي، ولعل السبب في إهماله- عنده- يرجع إلى أن حديثه منصب على ما يدرك بالنظرة العقلية فحسب، بدليل حديثه عن الأصل الثاني وهو آخذ الشبه الحسي إلى مثله، فإنه يعقب عليه بقوله: «إلا أن الشبه مع ذلك عقلي» «1» ، أو لأن الاستدلال على المعنى الحسي بأمر عقلي خارج عن الأصل، لأن المحسوس أصل، والمعقول فرع، فكأنه استدلال على الأصل بالفرع، أو لأن مهمة الاستعارة تقريب البعيد لا تبعيد القريب، والاستدلال على المحسوس بالمعقول من هذا الباب، لأن المحسوس أقرب فهما من المعقول الذي يكد الفكر فيه ويكدح، وبوصفه بديهيا لا يحتاج إلى إثبات، وهو نادر الوقوع عادة فأهمل «2» .
ولما كان حديثنا عن الاستعارة في تقويم الفن القولي لا يعدو هذه الوجوه، فقد رجحنا أن تكون الأصول العامة في عناصر الشبه الاستعاري التي أوردها عبد القاهر هي الضوء الكاشف عن البعد الفني في الاستعارة لأن فيها اتجاها إلى معرفة روح الاستعارة وجوهرها، وما هي عليه من التخييل والتمثيل، وهذا ما يهمنا رصده في استعارات القرآن الكريم، بوصفها عنصرا أصيلا من عناصر الصورة الفنية التي أرسى عليها قواعده.
وقد لمست في الاستعمال الاستعاري للقرآن الكريم الميل إلى أخذ الشبه من الشيء المحسوس إلى المعقول في الأغلب، ومن ثم وجدت النماذج تميل إلى أخذ الشبه من المحسوس إلى المحسوس، وأخيرا من المعقول إلى المعقول، وهذه هي الأصول الثلاثة التي يستنبط منها وجه التشبيه الاستعاري في القرآن الكريم، ونماذج هذه الأصول كما يأتي؟
(1) المصدر نفسه: والصفحة.
(2) ظ: المؤلف، الصورة الفنية في المثل القرآني: 201.