فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 221

وما لم يحقق المجاز مزية فلا يعدل إليه عن الحقيقة. ولعل ابن الأثير (ت: 637 هـ) يقرر هذا بقوله: «واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يحمل معناه على طريق الحقيقة وعلى طريق المجاز باختلاف لفظه، فانظر:

فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلا على طريق الحقيقة لأنها هي الأصل، والمجاز هو الفرع، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلا لفائدة» «1» .

وكنا قد قررنا في بحث سابق أنه: إنما يعدل إلى المجاز إذا كان فيه زيادة في الفائدة، واستيعاب للمعنى الحقيقي بإضافة معنى جديد ينتقل إليه ذهن السامع، وهذا الانتقال بذهن السامع ذو قيمة فنية في شمولية اللفظ العربي ومرونة استعماله، وعلى هذا فالمجاز حدث لغوي يفسر لنا تطور اللغة بتطور دلالة ألفاظها على المعاني الجديدة، والمعاني الجديدة في عملية ابتداعها لا يمكن إدراك حقائقها إلا بالتعبير عنها، والتصوير اللفظي لها، والمجاز خير وسيلة للتعبير عن ذلك بما يضيفه من قرائن، وما يضفيه من علاقات لغوية جديدة توازن بين المعاني والألفاظ في الشكل والمضمون «2» .

وعلى هذا فالاستعارة والتمثيل والتشبيه إنما تتحقق بالمجاز، ولا يتحقق هذا في الكلام الموضوع بموقعه من الأصل اللغوي، فلا استعارة ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تجوز في الاستعمال الحقيقي، لذلك كان الاستعمال المجازي غنيا بطاقات وإمدادات بيانية، تجدد معالم اللغة، وتلون أفكار الألفاظ، وتحرر جمود المعاني، وتحتل الصدارة في أركان البلاغة،

التشبيه والاستعارة جزءان من المجاز:

وتأسيسا على ما سبق؛ فإن ما يقال عن المجاز في تعبيره الموحي بالمعاني الجديدة، وتركيزه على استكناه الصور الإبداعية، ينطبق على

(1) المصدر نفسه: 1/ 63.

(2) ظ: كتابنا: الصورة الفنية في المثل القرآني: 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت