نود أن نشير هنا أن مفردات علم المعاني هي أقدم عصرا، وأعرق تأريخا، مما عرفه السكاكي (ت: 626 هـ) وأوضحه القزويني (ت: 739 هـ) ، بل هي أوسع دائرة بالمعنى العام مما خطط له عبد القاهر (ت: 471 هـ) أو ذكره الزمخشري (ت: 538 هـ) أو أبانه الرازي (ت: 606 هـ) ، وأريد بسعة دائرتها، تداولها بين العلماء ولكن بتطبيقاتها الدلالية، لا بمعانيها الاصطلاحية، أو تسمياتها الحدودية كما هو شأن السكاكي أو منهج القزويني عند تدقيقهما في الرسوم.
ولدى تتبعي لظاهرة شيوع المعاني متقلبة بين الواقع النحوي، والموروث البلاغي، رأيتها تتبلور في ثلاثة أدوار متميزة، يمثل الدور الأول سيبويه، والدور الثاني يمتد من ابن قتيبة (ت: 276 هـ) حتى ابن فارس (ت: 395 هـ) والدور الثالث يتمثل في عبد القاهر الجرجاني(ت:
471 هـ)باعتباره مطور هذا الفن وفق مواصفات الجمال الأدبي المتوافرة في أي أثر نصي، والصور الفنية المتجددة في هيئة الكلام ومحتواه.
وسأقف عند هذه الأدوار الثلاثة وقفة عرض وبيان مقتضب، لا وقفة استيعاب ونقد مستفيض، تبعا لطبيعة هذا البحث المختصرة، وذلك لاعتباري هذه الأدوار مترابطة تمثل تأصيل علم المعاني قبل استقرار مصطلحه التقليدي عند السكاكي والقزويني ورواد مدرستيهما البلاغية بشكل عام.